بعض الناس يؤرقهم هاجس الشهرة، وينقضهم البحث عنها من المضاجع، فولعهم
بها بلغ الشأو والذروة، وحبهم لها قد خالط سويداء القلوب، فأمنيتهم التي يحلمون
بها، والتي يعيشون من أجلها ويموتون من أجلها، ويضحون كل غال ونفيس لأجل الوصول
إليها، هي الشهرة؛ وحلمهم أن تكون لهم مكانة في المجتمع؛ ليكونوا مرموقين يشار
إليهم بالبنان، يعرفهم القاصي والداني، ويصبح الواحد منهم مالئ الدنيا وشاغل الناس،
فكل شئ رخيص لبذله في سبيل هذه الأمنية، ويركنون إلى كل وسيلة متاحة لديهم إذا
كانت تحقق لهم هذا الحلم، وكل خطة ساري المفعول وقابل لتنفيذها شرط أن توصل إلى
الشهرة ولو كانت خطة جهنمية، فهم في قبضة جنون الشهرة، الذي أفقدهم التوازن، وسيطر
عليهم واستشرى في مفاصلهم، وتحكم على الشرايين التي تضخ بالدم على الذماغ، فهم يتصرفون
طوع بنانه، ووفق املاءاته، فلا غضاضة في الإغراب وخرق العادة والخروج عن المألوف،
بسلبيات مستنكرة ومشينة طالما هي تحقق هذا الحلم، مهما كان الثمن.
فلا غرابة أن تجد رجلا أمريكيا
اسمه دانيس أفنار أنفق مبالغ هائلة بكل سخاء لعملية جراحية من أخطر العمليات ليصبح
قطة وليشتهر بها ويدخل في سجل المشهورين، فهو يعتقد أنه بالتخلص من انسانيته وتعريض
نفسه للخطر وتحويل وجهه بكل ما فيه من جمال ورونق إلى وجه قطة يعتقد أنه يكون في
مصاف المشهورين الذين ذاع صيتهم في أرجاء المعمورة وسيبقى ذكره على مر التاريخ، فهو
بهذا حقق حلمه وأمنيته التي حملها في جوانحه منذ نعومة أطفاره، ولو على حساب نفسه
فلا غرو إنها جنون الشهرة.
ولا استغراب كذلك أن تسمع رجلا اسمه إيريك اسبراجو وهو أمريكي أيضا
أجرى على نفسه عملية جراحية وصفت بالخطيرة، بتكلفة باهظة؛ ليحول نفسه إلى ضب، ليصل
إلى الشهرة حتى وإن كان الثمن فقدان جماله
والتنازل عن شخصيته، والذي دفعه إلى هذا العمل البشع هو ولعه بالشهرة وإذاعة الصيت
مع اعتقاده أنه لا يمتلك ما يمكنه للتربع على عرش الشهرة، واحتضان حلم الطفولة من
الإنجازات فعن له أن يركب الحصان الجامح ويضحي نفسه وجماله في سبيل تحقيق الحلم، إنها
جنون الشهرة.
جنون الشهرة الذي يحمل البعض أحيانا على ارتكاب جرائم قتل وسرقة وما
إلى ذلك فالمصاب بهذا المرض لا يهمه سوى الوصول إلى الشهرة مهما كان الثمن وبأي
وسلية، فمن أدبيات التعامل في عالم جنون الشهرة أن الغاية تبرر الوسيلة، ذكر موقع
(مصرص) وغيره أن شابا في مقتبل العمر كان مطربا مغمورا يعمل في المراقص والملاهي
والأعراس، فكان يحلم بالشهرة وأن يصبح محبوب الجماهير وملك الأغاني الذي يتهافت
على ألبوماته أعداد هائلة من مختلف الشرائح، وتستضيفه القنوات المشهورة لإجراء
مقابلات معه، ويسطع نجمه ويلمع اسمه في الوسط الفني، لكن عوزه وحالته المادية حالت
دون رغبته، لكنه كان مصرا على بلوغها مهما كلفه وبأي وسيلة، فتعاقد مع أحد
المنتجين ليصدر له شريطا غنائية بصوته لكنه لم يستطع توفير 10 جنيه طلبها منه
المنتج لإصدار الألبوم الذي أقنعه بأنه يوصله إلى الشهرة ويدر عليه بمبالغ هائلة
فاتفق مع شقيقه على تنفيذ جريمة قتل وسرقة، فقاما باستدراج سائق سيارة نقل بحجة
توصيل بضائع إلى سوهاج، وفي الطريق قتلاه وسرقا سيارة النقل وتركا الجثة في الطريق
لكنهما فشلا في بيع السيارة لأنه لم يكن بحوزتهما مستندات، وانكشف أمرهما أخيرا،
وتمت محاكمتها في القاهرة، فهكذا أعتقد هذا المطرب أن دون حلمه خرط القتاد مالم يرتكب جريمة قتل
وسرقة أموال؛ لينفقها لإنتاج ألبوماته، إنه مصاب بجنون الشهرة.
و جون هينكلي لما وقع في غرام الممثلة جودي فوستر، وهواها من كل قلبه،
اعتقد أنه لا يستطيع أن يستميل قلبها إليه وينال إعجابها إلا بالإشتهار، طالما هي
مشهورة فلا تعير اهتماما إلا للمشاهير هكذا خيل إليه، فلم يجد في نقسه ما يؤهله
للنيل بالشهرة إلا باغتيال الرئيس الأمريكي أنذاك رونالد ريغان، فأطلق عليه ست
رصاصات لكن الريئس نجا من الإعتيال بقدرة قادر، وفي التحقيقات ذكر جون أنه قام
بذلك لنيل إعجاب الممثلة جودي، فأسقطت عنه المحاكمة باعتباره مختل العقل، وبقي قيد
الإحتجاز في مستشفى للأمراض العقلية ولا يزال كذلك حتى الآن.
وعلى غرار السرقة والقتل تأتي جريمة أخرى كبيرة في مستهل قائمة
الجرائم المرشحة لارتكابها بسبب البحث عن الشهرة وهي السرقة العلمية التي راجت وانتشرت
في أوساط المدعين للعلم والمعرفة انتشار النار في الهشيم قديما وحديثا، وكثير من
الكبار والمفكرين أصبحوا ضحية لهذه الجريمة حيث تغتصب أفكارهم وتسرق أعمالهم التي
نال منهم بسببها الإجهاد والتعب فيأتي أحد مرضى جنون الشهرة فيسرقها بكل جرأة وصفاقة
وينسبها لنفسه مع تغيير طفيف، ذكر الأديب عبد الله الهدلق أن القسطلاني سرق بعض
المعلومات من كتب السيوطي ولم ينسبها إليه فصنف السيوطي رسالة بعنوان"الفارق
بين المؤلف والسارق" فاعتذر القسطلاني وخرج من القاهرة إلى الروضة مكان سكنى
السيوطي، خرج حافيا ماشيا حاسر الرأس حتى وصل إلى منزل السيوطي وطرق الباب، فقال
السيوطي ولم يفتح له:أرجع فقد سامحتك.. والسرقة
العلمية جريمة قضائية شنيعة، فالمتشبعون بما لم يعط، الذين يحبون أن يحمدوا بجهد
غيرهم وبما لم يفعلوا، ويصلوا إلى الشهرة على أكتاف غيرهم وبعرق المكدين كثر، فهناك
الكثير ممن يعاني الفقر المدقع في العلم وضحالة الفكر، وضيق الرؤية مع عشق وحب
للشهرة والبروز إلى الأضواء فيسطو على جهود الآخرين وينسبها لنفسه وهنا تبدأ
المعضلة بيد أن الله يكشف هذا القناع المزيف وتزول هذه الفقاعة بسرعة الضوء، وتكتشف
هذه السرقة مهما احترف صاحبها ونبغ في الخداع والتضليل، وإن الفضيحة الفاقعة
ستطوله رغما عن أنفه هكذا أثبتت التجارب.
وجنون الشهرة في كثير من الأحيان يدفع أصحابه إلى التمرد على المألوف،
والإتيان بأمور مستنكرة في عرف الناس وفي دياناتهم؛ لإلفات أنظارهم وجذب اهتمامهم إليهم
ولو باللعنات، وقصة الأعرابي الذي تجرأ على أن يبول في بئر زمزم في أيام الحج التي
يحتشد الحجاج فيها إلى هذا البئر الميمون معروفة، ولما قبض على هذا الأعرابي وسئل
عن سبب فعلته الشنيعة أجاب أنه يروم الشهرة ولو باللعنات ..فقط الرغبة في الشهرة
هي التي حملته على هذا الأمر المشين الغريب، وهو يعلم يقنيا أن الصغار والكبار
والعجائز والشيوخ سيلعنونه، وسيكون منبوذا بغيضا ممقوتا، بيد أن كل ذلك يمكن
احتماله والتجشم إليه إذ أن رغبته في الشهرة تتحقق لكن بسلبية متناهية في القبح، وعليه
أطلق المثل المشهور:"بل في بئر زمزم تشتهر" وهذا يشبه ما يفعله كثير ممن
تعج بهم الساحة الإعلامية من التيار الليبرالي من التطاول على ثوابت الدين
والتشكيك في معتقدات الناس مع التبجح بتحرير العقل من كبل القيود والأعراف
والديانات لكنهم وللأسف غارقون في وحل التبعية للغرب، ومقلدون حتى النخاع فهذه
ازدواجية واضحة لكنها مستساغة لديهم إذ أنها الطريق إلى أهذافهم.
ومن الطرق التي ينتهجونها لتحقيق الشهرة: التشهير والنيل من الكبار واستفزازهم
للرد عليهم وإيقاعهم في فخ الندية، فهذه وسيلة تضمن لهم في اعتقادهم الشهرة الفائقة،
يقال أن الطرماح هجا فرزدقا فلم يهجه الفرزدق؛ لأنه فهم أن الرجل يريد أن يشتهر
بهذه الطريقة وقال:
إن الطرماح يهجوني لأرفعه..أيهات أيهات عيلت دونه القضب
أي رفعت عنه القصائد كما فسره ابن رشيق القيرواني في العمدة في محاسن
الشعر وآدابه، وأما جرير فهجاه شاعر يقال له البردخت، فقال: مااسمه؟ قيل له
البردخت قال وما معنى البردخت قالوا: الفارغ: فقال: إذا والله لا أشغله بنفسي أبدا
هذا هو جرير الذي غلب شياطين الشعراء وسكن شقاشق الفحول -كما يقول ابن رشيق-، ترك
هذا المغمور الذي لا يعرفه لئلا يشتهر به أو فطن أنه يروم ذلك فحال دون إرادته.
ويقال أن بشار بن برد هجا جريرا فلم يجبه جرير أنفة فقال لو هجاني لكنت أشعر الناس،
ويتضح من كلامه أن كان يريد أن يشتهر بالمناورة مع رائد الهجاء جرير والمبارزة معه،
لكن الأخير فطن للأمر وأصر على التجاهل رغم أن بشارا لم يكن مغمورا بل شاعر فحل، لكنه
أراد أن يرفع شأنه بالتهاجي مع جرير.
وهذا الأمر يفعله الكثير من العلمانيين المغمورين-الذين أيقنوا أن
بضاعتهم كاسدة- مع العلماء الأجلاء لكن علماءنا وللأسف لا يتفطنون للأمر كما فعل
جرير والفرزدق، ومن أدبيات وقوانين مرضى جنون الشهرة هذا المثل الذي يقول:خالف
تعرف وقد أصاب من قال: "إن الإنتهاض لمجرد الإعتراض من جملة الأمراض" أسال
الله لي ولكم العافية من جنون الشهرة وغيره من الأمراض والرزايا المدلهمة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق