إن مما يثلج الصدور،
ويبعث في النفوس الغبطة والسرور، وتثير النشوة والإحتفاء والحبور، ما نراه في هذه
المدينة من النهضة الدينية والإزدهار في المجال الدعوي، والنشاط المتزايد على
الإلتزام، الذي أصبح السمة البارزة لهذه المدينة، واعترف بذلك كل من وطئت أقدامه
وحط رحاله ولو لفترة وجيزة، على ثرى مدينة
قاريسا، فتشييد المساجد التي تتعانق مناراتها، وتتخالط همسات المناجين في
محاريبها، سيما في أوقات الصلوات المفروضة، إلى تدشين المراكز التعليمية الدينية
التي يكثر عددها يوما تلو الأخر، إلى ملامح الشباب الذين يشع من محياهم ومضات
التدين الساطعة، إلى الفتيات المحجبات كل هذا غيض من فيض من بصمات الدعوة في هذه
المدينة، ومشاهد الرقي في المجال الديني، والفضل في كل هذا يعود إلى الصحوة التي
وصلت إلى القرن الإفريقي في الثمانينات من القرن المنصرم، ويبدو أن الثمار قد
أينعت وأن الغرس قد أتى أكله، وهو أمر يجب علينا أن نحبذه تماما، ومن الحقول التي
أثّرت هذه النهضة تأثيرا إيجابيا طبعا، وتركت فيها بصمة واضحة المعالم هو حقل
تدريس القرإن الكريم، حيث تم إيلاءه اهتماما بالغا واعتناء متزايدا وبذلت فيه جهود
جبارة.
ومن الملفت للنظر أن
الخلاوي القرأنية ودور التحفيظ تكثر في هذه المدينة كثرة تفوق الخيال، وتعتبر هذه
المدينة أرضا خصبا لهذا المجال لتوفر الإقبال المكثف على دور التحفيظ على كثرتها
وقد تمخض من هذا النشاط تخرج كوادر مؤهلة بمختلف فئات العمرية وإن كان الأطفال
والشباب هم الأكثرية يتقنون القرآن تلاوة وحفظا وإتقانا، ولم أستطع الحصول على
إحصائية دقيقة لأرقام الكتاتيب القرآنية وأعدادها.
من المعروف في هذه
المدينة الإرتزاق بالقرآن بشكل غريب حيث أن أحد أهل الثراء يقوم بتأسيس مركز
لتحفيظ القرآن من ماله الخاص فيوظف المعلمين والمشرف والحارس ويوفر جميع الطلبات
والإحتياجات ثم ينشغل في أعماله الأخرى الكثيرة فتأتي إليه الأرباح وهو في عقر
داره أو في مكتبه فلا يباشر العمل ولا يجهد نفسه حتى على الإشراف والتفقد إلا
نادرا وقد يكون إنسانا شحيحا فيضيق الخناق على المحفظين وينقص مرتباتهم ؛ لتفضل له
أرباج باهظة وهذا من أكثر البواعث على الإنشقاقات التي أصبحت سيناريو مألوف في هذا
القطاع في هذه المدينة؛ لأن هذا يخلق جوا مخنوفا ويبدي المعلمون استياء وتذمرا
فتحدث هناك نزاعات بين أعضاء هيئة التدريس والمؤسس أو المشرف فيقوم المحَفِظُون
بالإنشقاق من المركز وتأسيس مركز ثاني بالقرب من الأول، فينكفأ عليهم الدارسون من
المركز الأول، بعد جهود مبذولة في هذا الصدد وخيوط مكيدة تحاك في هزيع الليل،
فيمكن اعتبار هذا إطاحة وانقلابا في العرف السياسي لكن بفارق ضئيل، وهناك مدارس
للتحفيظ تابعة للمساجد بناها بعض الهيئات الخيرية بوساطة هيئات محلية وتعتبر وقفا
إلا أن المعضلة أنه تحدث فيها نزاعات أحيانا وليس غالبا بين المعلمين ولجنة
الإشراف على المسجد، فلجنة الإشراف تريد إعطاء المعلمين رواتبهم وما بقي يعتبر ريعا
يصرف في شئؤن المسجد أو في غيره بتصرفاتها، وهذا ما يمتعض منها المعلمون فلا يثقون
في لجنة الإشراف ويرونها تستغل هذه الأوقاف، وأن ما يخرج من المدرسة لا تفضل من
رواتبهم والجدير بالتنويه أن النزاعات من هذا القبيل قليلة نسبيا.
بما أن لفيح الشمس
ولهيب حرارتها في هذه المدينة تضرب الرءوس وخاصة في وقت الظهيرة حتى الأصيل، فقد
تقرر تدريجبا إلغاء مابين صلاة الظهر إلى صلاة العصر من الدوام واعتبار هذا الوقت
استراحة ووقت قيلولة، هذا في التسعين بالمأئة من دور التحفيظ والخلاوي القرآنية،
حتى الذين صمدوا في البداية أمام هذا التحدي؛ بسبب ضغوطات أولياء الأمور -الذين
يرغبون بقاء أولادهم في الكتّاب ليستريحوا من عناءهم وشغبهم-، فقد خارت عزيمتهم
مؤخرا وأذعنوا لهذا الأمر الذي أملت عليهم الظروف المناخية.
وقد تحولت الكثير من
الكتاتيب من استخدام اللوح كوسيلة للتعليم إلى الدفتر؛ نظرا لكونه يوفر الوقت
والجهد؛ ولأن اللوح واستخدام الحبر -وهو النظام التقليدي- يلوث البيئة التعليمية،
ويجعل الأولاد عرضة لتلطيخ أجسامهم وملابسهم بالحبر مما يتقذر منه بعض أولياء
الأمور، فيجب أن تكون البيئة التعليمة في غاية النقاوة لا تشمئز منها نفوس
المتحضرين، لكن للدفتر بعض السلبيات أيضا أن الكراريس عرضة للتمزيق على أيدى
الأولاد الصغار، فيترتب على ذلك ضياع القرآن والإستهانة به حسب اعتقاد بعض الناس،
كما أنه يحتاج إلى تكلفة قد تكون شهرية مما ينزعجج منه بعض العوائل الفقيرة.
ومما تعاني منه دور
التحفيظ والكتاتيب ويشتكي منه القائمون عليها كثيرا تأخر دفع الرسومات من قبل
أولياء الأمور، يضيف المعلمون أنهم يتلقون تهميشا متعمدا بحيث أن هَمَ أولياء
الأمور دفع الرسوم للمدارس النظامية دون الكتاتيب الذين لا يلقون لها بالا، وينسون
أن المحَفِظين ترتبط بهم عائلات يعولونها، وأسر لها احتياجاتها، وأغلبهم في بيوت
مستأجرة مما يجبر عليهم دفع الكراء في وقت مبكر من الشهر وإلا تم طردهم، لكن في
المقابل يعزو بعض أولياء الأمور سبب تأخر دفع الرواتب إلى أنهم ينتظرون الرسوم من
قبل أهاليهم في المهجر وأن الأمور ليست طوع بنانهم.
وتعقد في أوائل شهر
رمضان من كل سنة في مسجد ابن القيم في قلب المدينة مسابقة ترعاها جمعية القرآن
الكريم وهي جمعية غير ربحية وتتلقى الدعم من قبل المحسنين ويشارك في هذه المسابقة
زهاء أربع وثلاثين مدرسة وتمنح للفائزين جوائز ومكافآت رمزية للتحفيز والتشجيع،
وقد تأسست هذه الجمعية حسب ما أفادني عضو من الجمعية في عام 2009 ولكنها عقدت أول
مسابقة لها في عام 2010م. إلا أنها كما يبدو ليست لها أنشطة أخرى غير عقد
المسابقات وهذا يعتبر قصورا، فهناك مهام كثيرة من حقها القيام عليها باعتبارها
نقابة للكتاتيب القرآنية، وأن ترعى شئؤنها وتنافح عن حقوقها، وأرى أن الحاجة ماسة
لعقد دورات تدريبية للمعلمين الذين لا يتمتع أكثرهم بالكفاءة اللازمة، فيجب
تزويدهم بخبرات ومهارات تربوية لعمل بهذا الحجم وهذه الخطورة، فلا يمكن أن ينطلق
كل شخص مما يملى عليه مزاجه وانصياعا لرغبته الشخصية، بغض النظر عن كونها صحيحة
تخدم العمل التربوي أم لا وهذا أمر مشين يجب تفاديه بأقرب وقت ممكن، ومما يكشف
اللثام عن الضعف التربوي لدى المعلمين عند الكتاتيب هو الضرب المبرح الذي أصبح ما
تتميز به مدارس التحفيظ، دون مراعاة ونظر للجدوى منه، وأحيانا يظهر جليا أن المعلم يقوم بالضرب للتشفي من
الغيظ على تصرف الطفل، مما جعل الأطفال يأخذون عن هذه المدارس انظباعات واعتقاد
أنها مدارس الأشباح والكوابيس المرعبة فلا يذهب إليها بأريحية ورغبة منه بل جبرا
وقسرا ولضغط من قبل الوالد، كما أن هذه المدارس تفتقد الترفيه والترويح عن النفس
ولو لدقائق محدودة وهذا جانب قد تم إهماله بشكل كامل لكن في المقابل يجد الطفل ما
يتوافق مع فطرته وبراءته الطفولية وميوله من الترويح في دقائق محدودة في المدارس
النظامية، وهذا قد جعل الأطفال يذهبون إليها باندفاع شديد ورغبة ملحة بخلاف
الكتاتيب؛ حيث يأتي إليها الطفل مهموما كئيبا، كأنه أسير يساق إلى المعتقل.
وقد نجحت المدارس
النظامية الحكومية وغيرها في استقطاب الجم الغفير من الطلبة ، حتى إنه لا يبقى في
الكتّاب إلا نزر يسير، عدا يومي العطلة السبت والأحد والفترة المسائية من كل يوم
والتي دائما ما يكون الدارس فيها منهكا بعد رحلة تعليمية شاقة في ظل المدرسة ولم
يعد لديه النشاط المطلوب لدراسة القرآن، وهذا على خلفية رغبة أولياء الأمور
واهتمامهم بالمادة، وهذا أمر يشتكي منه المعلمون في الكتاتيب كثيرا.
من الأمور التي ساعدت
على إنعاش الدعوة ودفع عجلتها إلى الأمام بسرعة كبيرة هو تسامح الدولة الكينية حيال
هذا الأمر التي منحت الحرية لمواطنيها في الممارسات الدعوية والأنشطة الدينية لكن
هذا الصفو لم يقدر له أن يستمر إلى أبد الآبدين حيث شابه كدر، وبدأت الحكومة تقطب
جبينها للمسليمن إثر هجومات متعددة شنت بها بعض التيارات الجهادية على كينيا أسفرت
عن خسائر بشرية ومالية، فتغير المناخ الناعم إلى خشونة، ومن الحرية إلى اعتقالات
طالت الكثير من الدعاة والمعلمين ومداهمات أفزعت الضمائر وأربكت القلوب وأحبطت
الآمال، وأخرست الأصوات، بعد أن رميت إليهم سهام في غاية الشراسة، وهذه المداهمات
كانت تستهدف دور التحفيظ غالبا في المدينة وحدثت اختطافات كثيرة في حق المعلمين
والدعاة أتهمت بأن جناح مكافحة الإرهاب هو الذي قام بهذا الأمر، والذي صب الزيت في
النار -حسب اعتقاد الكثيرين-، هو خطاب النائب الممثل للأغلبية في البرلمان الذي اتهم دور التحفيظ بأنها حواضن للإرهاب وأنها الحقنة التي تغذي الإرهاب
في عروق الفتيان، هذا كان فحوى خطاب النائب إثر الهجوم الذي شنته خلية من حركة
الشباب على الجامعة في مدينة قاريسا في العام الماضي، وهذه الضعوطات التي تمخضت من
هذه الأحداث تعتبر صفعة قوية للمدارس الدينية عموما ولدور التحفيظ والكتاتيب خصوصا،
ومن شأنها أن ترجع الأمور إلى القهقري ولكن ولله الحمد يبدو أن ذروة الأحداث قد
مرت، وأن حدتها قد خفت، وأننا نعيش الآن في هدوء لا ندري ما ذا يعقبه، ويجب على
الجميع السعي بكل المجهودات لتحقيق الاستقرار والبعد عن كل ما يثير الفوصى
والبلابل، حفاظا على مكتسبات الدعوة؛ لئلا تذهب في أدراج الرياح.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق