كان يوما مميزا بجوه الممطر وضبابه المكثف،
وغيمته المعتمة، ونسائمه العليلة التي كانت تهب بشذا أخاذ وأريج منعش، وكنت
أستنشقها لتصل إلى أعماقي وأحشائي، التي طالما اضطرمت بلهيب الوجدان، ولظى الهوى
الحارق، وكانت سحب يبدو أنها حبلى بالمطر الغزير يعسرها المخاض هناك في أفق
السماء، تغطي بأذيالها على الشمس التي كانت قبل أيام قليلة تضرب بأشعتها الملتهبة
على رءوس السكان، كنت أخطو بخطوات وئيدة أقلب نظراتي في الشارع المزدحم بالمركبات
والرصيف المكتظ بالمارة، كنت لشدة فضولي أتفحص وجوه المارة لأستقرأ من أغوار
عيونهم فصولا ممتعة من الحياة ما بين فرح وترح ونشوة وفتور، حتى وصلت إلى مقهى كوليد والذي كان هو الآخر
مكتظا بزبائنه الذين أدمنوا على قهوته الرائعة ووجباته الشهية، فبحثت عن طاولة
شاغرة فألفيتها في مؤخرة الساحة فجلست فيها وأدليت طلباتي للنادل الذي كانت ترتسم
على عينيه ألوان تناقضات الحياة، وكانت قسمات وجهه تشي بما يحاول إخفاؤه، ورغم
تظاهره بالتماسك والشموخ فقد كان منهارا نفسيا، وكان الكثير من رواد المقهي يطلقون
عليه أطنانا من التأنيب والتقريع والتبكيت، لكنه لم يكن يأبه بما يتفوهون به، فقد
بدا كصخرة صماء، لا تسمع دوي المدافع ولا أزير الأسود، وكانت تعتريه نوبة يدخل على
إثرها في حالة شرود، فمازحته بأنه يحمل في طياته قصة جديرة بأن تروى، ولاطفته بأن
يحكي لي ما يعتلج في قلبه، وما ينوء بصدره لثقله من الهم، فأطلق زفرة حارة وتنهد
معتذرا عن ذلك بأن طبيعة عمله لا تسمح له بذلك، وانصرف إلى عمله فبحثت عن خيط للوصول
إلى قصة هذا الفتى، فلم أجد حيلة وبينما أنا كذلك ورأسي يدوي بزخمة أفكار متشتتة،
إذا هو يقف بين يديّ ويلقي ورقة فطأطأت رأسي وانكببت عليها بينما هو ذهب لمزاولة
عمله الروتيني فقرأت الورقة فكان فيها هذا النص:
أنا
مواطن لوطن جريح ينزف بالدم، وطن استنفذ ما بدخره من الدموع حتى سالت من مآقيه قطرات
من الدم القاني، وطن أعيا من تسنم على عروش البلاغة وصف حاله، وتوصيف معاناته، وطن
تكالبت عليه الظروف الحالكة، فصارت مشاهد حياته قاتمة، وطن استشرى فيه الرعب وتحكم
على مفاصله، كأنه فصل من رواية لأجاثا كريستي، أو مسرحية تراجيدية جيدة السبك تثير
الهلع في قلوب المشاهدين، وطن ظل في دوامة عنف يرزح تحت النيران المتوهجة، في خضم
حروب ومعارك عبثية أتت على الأخضر واليابس، ودمرت البنى التحتية، والعمارات
الشاهقة وناطحات السحاب، بل لا يستبعد القول بأنها أصبحت أثرا بعد عين كما قضت على
معنويات الشعب المكلوم، وطن يرى بأم عينيه فلذات أكباده تتقاتل مع البعض ولا
يستطيع أن يحرك ساكنا؛ لأنه مغلوب على أمره، فصار دوي المدافع وطلقات الرصاص، وأنواع
أخرى من الأسلحة، والإشتباكات العنيفة سيدة الموقف، وجزء روتيني من حياة سكان
الوطن، هذا الوطن الذي كاد أن ينمحي من خارطة المجتمع الدولي، وأشرف على أن توضع
سجلات حياته وتاريخه الحافلة في طي النسيان، وتوضع صوره في المتاحف، ومذكراته في
المكتبات ليعيرها اهتماما الملمون بالتأريخ فكاد الوطن أن يصبح في خبر كان، هذا
الوطن المستباح حرمته، المهان هيبته، المنتهك عرضه، أصبح لقمة سائغة للعدو
المتربص، تلقى في شواطئه النفايات، وتنهب خيراته وثرواته دون اكتراث، فجهاز التحكم
للوطن بشيفراته وألغازه صارت بحوزة العدو التقليدي الذي طالما أضمر في طوية نفسه
كل السوء له، فصار يتحكم فيه كما يحلو له انتهازا للفرصة السانحة، لا يصون له
سيادة، ولا يكن له إلا الضغينة، يتبختر كالطاءوس، خيلاء وبطرا في بيضة الوطن، ويحكمه
عنوة، وطن خيمت على سمائه سحائب تعج بالهم والغم، ففي ظرف كهذا تصبح الأرواح ثمن
الحروب تحصدها بالمجان.
وأكبر
مأساة في حياتي حدثت في غضون هذه الفترة وهي أن عائلتي أصبحت ضحية كغيرها من
الضحايا للحروب الأهلية، حيث سقطت قذيفة هاون على منزلنا والذي كان فيه جميع أفراد
الأسرة صغيرها وكبيرها، فتم انتشال الجثامين وقد فاروقوا بأسرهم الحياة، فأظلمت
الدنيا أمام عينيّ، وأصبحت كريشة في مهب الرياح، وقد وقفت على الجثامين واحدا تلو
آخر، وعيناي تذرفان دمعا، وقلبي يكاد ينفطر من الأسى، مشهد مؤلم لم يكد يفارق
مخيلتي،وتغشاني سحابة من الكآبة كلما أخلو بنفسي، تمنيت يومها بالإنتحار لكن الله
أنقذني من هذه الفكرة المجنونة،شاهدت بأم عيني جميع عائلتي توارى بالثرى، والموت
حق لا أقليه، ولا أقول هجرا لكن الأحزان لها وقعها في القلوب، وبعد مرور برهة على
هذا الحدث عزمت على الإرتحال ومفارقة الوطن من أجل نسيان هذه الواقعة، ولكن هيهات
دونها النسيان، فهي محفورة في الفؤاد، وجرحها لا يندمل بل ينكأها هبوب الرياح
وزقزقات العصافير، والتضميد بات لا يجدي نفعا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق