ذات مرة
اعترتني نوبة اختناق، وعزف لي الزمان سيمفونة الأحزان، وعزفت صخب المدينة وصراخها:
هدير محركات السيارات، وصياح الأطفال أثنا غدوتهم أو روحتهم إلى المدارس، وولولة
النساء وغنجهيتهن، وتشدق الرجال وتبجحهم في شأن السياسة الشائكة المعقدة، وضجيج العمال، كل هذا شكّل فيّ رغبة ملحة لتغيير هذا
الروتين، والتنقيب عن جو مغاير، حزمت أمتعتي، وغادرت المدينة أرنو إليها بطرف
غاضب، كانوا يتهامسون فيما بينهم بأنّي مصاب بمرض الهوس والهلوسة وبحاجة إلى علاج،
وأن أوْدَعَ في مستشفى المجانين، ينوِّهون بهمهماتهم بأنّي في هذه الأيام كانت
أعصابي هائجة وثائرة ومتشنجة، وكان آخرون يتنبئون بأني سوف أختفي في غياهب الغابة،
وسأكون فريسة لذيذة للسباع المفترسة، يبدو أن لديهم مخاوف من هذه الغابة، مخاوف من
بنات أفكارهم ونتاج أوهامهم، كنت أسير ببطء وتأن، أستشعر بأني في جولة سياحية، كنت
أرمق ببصري على كل وجهة بغية أن تقع عيني على ما يهفوا إليه ضميري، ويصبو إليه قلبي،
ذلك الغامض الذي لا اعرفه أنا، فضلا عن غيري، أنا متأكد فقط بأني أبحث عن شئ
ينقصني، وأن قصتي وروايتي الجميلة التي سطرتها بيراعي ومكثت على تنقيحها برهة من
الزمن، ينقصها شيئ، وأن هناك حلقة مفقودة لا بد من العثور عليها، كنت أحس بالمتعة
والنشوة كلما ابتعدت عن مضارب المدينة ومساكنها، وتوغلت في قعر الغابة وأشجارها، كانت
السماء غائمة، وقد أمتدت في وسطها قوس قزح طويل، كانت نسمات منعشة متضوعة بأريج
المسك تتسرب إلىّ، أستنشقها بكل قوة، أبالغ في الإستنشاق كأن هذه اللحظة لن تعود
ثانية، وأن هذه النسمة لن تهب مرة أخرى، نصبت لنفسي خيمة تحت شجرة كبيرة واسعة
الغصون ينحني أغصانها نحو الأرض، كأنها عذراء مطاطئة، تخجل من نظرات عشيقها صوب
محياها، وطهوت لنفسي طعاما، وبالمناسبة فأنا أعرف الطهو ولي مهارة في ذلك، فبعد
الفراغ من الطعام خرجت من خيمتي أقبل على سحر الطبيعة، أصعد التلال والروابي،
وأنحدر إلى السهول، أستمتع بذلك، هنا يرقد الجمال الذي ينشده الجميع، هنا تثوي
السعادة التي نضحي من أجلها الغالي والثمين، هنا تتربع عليها الحيوية، هنا نشاهد بكل
حرية بصمة الجمال في صنع الله، مناظر الطبيعة الخلابة تجعلني أرتمي في حضنها كطفل
تائه لم يجد من يرحمه بقي على هذا الحال يائسا من أمه التي فقدها في خضم الزحمة في
العواصم الكبيرة وصدفة وجد أمه واقفة بين يديه، كذلك كنت تماما، أخرجت عدسة
الكاميرا الرفيقة التي لم تكن تفارقني لا في حل ولا في ترحال، أقبلت ألتقط هذه
المناظر بشغف، وهي تتراقص بين يديّ كغانية حسناء تجيد كل فنون الإغراء وإغواء
الرجال، أجول في واحاتها، أنظر إلى الأشجار التي تتراقص أغصانها بطريقة مثيرة
متناغمة مع هبوب الرياح التي تحكي خريرها سيمفونة أسطورية موسيقية تعزف بأعذب
الألحان، وهذا التناسق الموسيقي يزدري على كبار الفنانين والملحنين، إضافة إلى زقزقات
الطيور وتغريدات البلابل والعصافير، كل هذا كان يضفي على الجو الرائع روعة ويزيد
رونقه، ويسربل على نفسي التي طالما عانت من المشاق وتشنج الأعصاب هدوءً روحانيا
عجيبا، وفريدا في نوعه، كأنه نزل من السماء، كان يمتص مني كل الهيجان والغضب، ويفرغ
فيّ سكونا وطمآنينة بحجم الصحراء تتسع لعشرات النسم، تمنيت لو أني أقضي هناك باقي
حياتي، وفجأة انقدح في ذهني فكرة أن أكتب هذا الجمال فتسابقت الحروف إلى السطور، وانقاد
القلم منصاعا وأصبح طوع بناني أوجهه حيث أشاء، كأنه هو الآخر يتمتع بهذا الحو
الرائع، ولم يعد يستعصي عليَ كما كان يفعل من قبل، وانثالت عليَ المعالي انثيالا
بانسيابية وشاعرية، أنتقي منها ما يلامس فؤادي، وظللت منكبا على الكتابة حتى
المساء حين استأذنت القلم بأخذ جولة سياحية في ظل الطبيعة الساحرة، أمشي بين النباتات
والأعشاب المتراصفة بهندسة فريدة، كأنها من صنع فنان محترف، تنبض بالجمال، كنت آخذ
الأزهار من أغصانها وأشم من أريجها، وأملأ رئتي من عبقها، لا أرى فيها زهرة ذابلة،
كان الفصل ربيعا، وما أدراك ما الربيع، إنه حين تبكي السماء بغيثها المنهمر وتضحك
الأرض بنباتها وأعشابها المنتشرة، هنا يصفو المزاج، هنا يحلو المقام، هنا تطرد
الطبيعة بسحرها كل أشكال الهموم، هنا يتحرر السائح من كبل الأحزان، هنا يتغير ضجيج
المدينة إلى نغمات موسيقية ومعزوفة أسطورية صٌنِعَتْ لامتصاص الآلام والأوجاع من
جسد بني البشر، لكن القليل من يتفطن لذلك ويؤم إليها!.
أنات مواطن كئيب:2
بعد الحادث الجلل، وقعت في أحابيل خيبة
الأمل، وصرت كطائر مقصوص الجناحين، أو كطريدة افترسها صياد محنك، فقد خضت في بحار
لا ساحل لها من الأحزان تتقاذفني فيها
الأمواج المتلاطمة العاتية، وانهارت معنوياتي، فجدران المدينة وشوارعها وروابيها
وكل ما يمت بصلة إليها تحمل بصمات لذكرياتي مع عائلتي المفقودة، ما يحز في ضميري
ويفتق في جرحي، فحزمت أمتعتي وغادرت المدينة التي قضيت فيها طفولتي، واستضافت أحلى
ذكريات حياتي، لكنها أصبحت جراء الحروب مدينة الأشباح والأطلال، ووكر المنايا،
وبؤرة الرعب والفزع، حمام الدم يٌحَلِقٌ علي سماءها الزرقاء، فركبت السيارة في
اتجاه كينيا البلد المجاور، لكن في طريقنا صادفتنا معضلة أخرى لم نضعها في
الحسبان، اعترض في طريقنا مسلحون من مليشيات بعض القبائل الصومالية فاختطفوا ركاب
السيارة بأسرهم، وتوارينا عن أنظار الناس تحت حراسة مشددة من قبل المليشيات يصاحبها
تعذيب وإذلال مقصود، ولم يفصحوا لنا عن مغزى اختطافهم لنا، إلا بعد يوم فطلبوا
الإتصال بعائلاتنا لدفع مبالغ هائلة مقابل إطلاق سراحنا، إنها مسألة تجارة البشر
التي سمعت عنها كثيرا والآن أبقى رهينا في أروقة أبطالها، فسارع من معي بالإتصال
بذويهم لإبلاغ الخبر، كما أبلغت بعض أقاربي بالحدث، لكن المبلغ كان باهظا لا يطاق،
وبقينا في أسرهم مدة حتى امتعضوا من الإبطاء فزادوا من تعذيبنا وإذلالنا لإجبار
أهالينا بدفع المبلغ المطلوب على الفور، وما أدراهم أنهم من أهل العوز! وفي خلال
طقس تعذيبي كانوا يمارسونه علينا ألقيت بالشتيمة على أحدهم فغضب من ذلك فأطلق
الرصاص عليّ، فقرروا وضعي في مستوصف صغير في إحدى القرى وأنا أكابد الجرح والدم
ينزف، وللأسف عجز المستوصف من تقديم خدمة طبية لهذا الجريح، وأودوعوني في سيارة
كانت تتجه نحو مخيم اللاجئين، في كينيا، فوصلنا إلى مخيم طكحلي وأنا في حالة
غيبوبة، وظن البعض أني في حالة النزع، ولحسن الحظ تلقيت هناك إسعافات وخدمات طبية
أنقذتني من مخالب الموت، فلما تعافيت قليلا علمت أن الشرطة تتحرى بي للتحقيق
الأمني وأنها وضعت عليّ إقامة جبرية، وأنها تشتبه فيّ باعتباري عضوا من الحركات
الجهادية، فجن جنوني وازداد ألمي فأتى المخبر يلقي عليّ عشرات الأسئلة حيال حياتي
ونفسي وطبيعة عملي إبان ثوائي في الوطن، والدافع للهجرة والإرتحال ...إلى غير ذلك
من الأسئلة التي دوخت رأسي، وتركتني ملقى في أحضان الحيرة، وارتسمت على محيايّ
علامات الدهشة، وبعد التعافي أخذوني إلى معتقل في مدينة قاريسا على ذمة قضية
إرهابية لا أعرف عن كنهها شيئا، وتمت المحاكمة صورية بدون محام ولا حضور، وبقيت في
السجن أعاني من ويلاته سبع سنين، أتذكر أن أول يوم دخلت في السجن تعرضت للضرب
المبرح بأيدي هياكل ضخمة من المسجونين، وهذا ما يفعلون عادة مع الجدد ليرضخوا تحت
إرادتهم، وينصاعوا للأوامر، ولا أستطيع أن أتحدث عن قصة السجن وكيف كان الذل
والإذلال متجسدا في شخوصها، إنها حزء من حياتي انقضت الآن لكنها تركت فيّ أثر
سلبيا، فأنا الآن أعيش في حالة نفسية مريرة، فمنذ فقدان عائلتي بسبب القصف
العشوائي، بدأ الظلم يلاحقني في كل مكاني، فأورث فيّ شقاوة ومرارة، والآن أحن إلى
بلدي حنين النيب إلى فصالها، ولكن مخاوف متراكمة تعوق دون الذهاب إليه، وبدأت هذا
الشغل لإشغال النفس عن الحزن وللحصول على ما يسد الرمق، والمؤسف أيضا أني لا أمتلك
الأوراق الثبوتية تدل على انتمائي لهذا البلد ما يعرضني للإعتقال بيد الشرطة، في
الإسبوع مرة على الأقل، ولا ينقذني منه إلا دفع الرشوة ما يشل عملي، فكل دخلي لملأ
البطن وستر الجسد وإنقاذ النفس من مخالب الشرطة بدفع الرشوة، وينصحني البعض
بالذهاب إلى جنوب أفريقيا للإشتغال مع ابن خالي الذي وصل إلى هناك في أخريات أيام
سجني، لكن ما باليد حيلة، وليست بحوزتي المواصلات ولا الجواز، كما أن هناك مخاوف
شديدة من موطني ذلك البلد الذين أضمروا في طويتهم كل الحقد والكراهية، وصبوا جام
غضبهم وجرعو كؤوس العلقم للصوماليين، الذين لهم اليد الطولى على استقلالهم،
والتضامن معهم، لكن الحقد طمس بصيرتهم، وأنساهم قصص الأمس، فأنا الآن متردد بين
البقاء هنا رهن الإعتقال في الإسبوع مرة أو أكثر، أو المخاطرة بالعودة إلى الوطن
المأزوم، أو المغامرة في الذهاب إلى بلد الكراهية والتمييز العنصري، ولا أعرف ما
تخبؤه لي الأيام، هل سيستمر فصول الظلم أم سينقشع السواد ويزول الغبش، وينجلي
الليل، ويحل الفجر في ساحتي باسما، بنسائمه العليلة، التي تبعث الحيوية والأمل في
قلبي الجريح، فالقصة لم تكتمل بعد، وهذه القصة تعكس على سيناريو بات مألوفا لدى
قاطني هذا البلد-الصومال- بعد نشوب الحرب وتشردهم في أنحاء العالم شذر مذر، ولست
الوحيد الذي حدثت له مثل هذه الفاجعة بل هناك الكثير ممن قصصهم المبكية تكون لدى
القارئ أقرب إلى الخيال من الواقع، لكن ما يعزينا قليلا أن صحوة ويقظة جزيئة باتت
تهدد معاقل الغفوة، وأن هناك تحسن ملموس يشوبه كدر، ولكن ما أخشاه هو أن يكون هذا
الكدر بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.
فلما انتهيت من قراءة قصة النادل غمرتني
نوبة حزن، وقمت بتشخيص الحالة المرضية للوطن العزيز، وتصورت في كم القصص الهائلة
التي تفوق هذه غرابة وحزنا صادفت الكثير من أبنائنا، وكيف تنكرت في وجوههم الحياة،
وحٌرِمٌوا من مباهجها، ومنيت محاولاتهم بإخفاقات، وحالفت دروب حياتهم بمنغصات جمة،
وصارت آمالهم حبيسة في قفص الزمان، الذي أحكم القبضة عليهم، ورماهم بسهم شرس، فمن
يتمعن معاناة مواطني هذا الوطن الذين صاروا بين مهاجرين امتطوا صهوة الجرأة في
رحلة الموت فوق البحار والصحاري والمفاوز، في رحلة يحدق عليها المخاطر من كل حوب وصوب،
و مختطفين بأيدي تجار البشر، ومن صار في ذل اللجوء ومرارة الغربة، ومن صمد وبقي في
الوطن وتأقلم مع الظروف الصعبة يراوده طيف الموت بين الفينة والأخرى، من تمعن وسرح
تفكيره في ما ذكرناه وزيادة يستطيع أن يٌخَمِنَ حجم المأساة، ورجاؤنا في الله عظيم
فقمت من مكاني أقلب كفتيّ، أطلق آهات وأنّات على وطني العزيز، وعلى مواطنيه، فلوّح
النادل لي يده يودعني بابتسامة مقهورة فقلت له بصوت خافت إلى اللقاء يا عزيزي
...إلى اللقاء في الوطن العزيز مرفوع الرأس عزيز الجانب.... لنتفاءل بالخير يا
عزيزي فالأمور تتحسن، فصمت في وجوم، وأدار لي ظهره منصرفا إلى عمله، وعدت أدراجي
إلى المنزل وكلّي رغبة للبكاء على الصومال.
طفولة مغتصبة(جريمة التجنيد)!:
وأقرب نموذج ومثال نضربه لذلك هو دومينيك
أونغوين الذي تم خطفه من قبل جماعة جيش الرب التي تقاتل في اوغندا وهو في سن
العاشرة، وقد تلقى فيهم التدريب العسكري وشارك معهم في العمليات، وارتقى في صفوف
الجماعة، حتى أصبح محل ثقة القائد للجماعة جوزيف كوني، وربيبه، فأصبح رجلا دمويا
وحشيا تقليدا لقائده، وتلطخت أياديه بمختلف الجرائم من قتل واغتصاب وإبادة وتهجير،
واستعباد جنسي، حتى سلم نفسه أخيرا إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي في عام
2015م.
وفي حالات النزاع المسلح، وفي الأماكن التي
تندلع فيها الحروب، يفقد الأطفال حقوق توفير بئية تعليمية والحصول على رعاية صحية،
كما يتعرضون للتشرد والتشظي والنزوح، وأسوأ من ذلك أنهم يصبحون ضحية لاعتداءات
جنسية، وتوظيف إجباري، والتجنيد القسري وزجهم في المعارك، من قبل جماعات مسلحة،
وهذا ما يعتبر جريمة كما نص عليه قانون الأمم المتحدة.
فالتجنيد القسري آخذ في التزايد في أرجاء
المعمورة، فحسب احصائيات منظمة حقوق الأطفال يونسيف هناك أكثر من ربع مليون طفل
مجند على مستوى العالم، وفي موقع الأمم المتحدة ذكرت أنه يوجد مئات الآلاف من
الأطفال المستخدمين بوصفهم جنودا في النزاعات المسلحة حول العالم، وكثير من
الأطفال مختطفون وقد تعرضوا للضرب لإخضاعهم فيما ينضم آخرون إلى الجماعات المسلحة
فرار من الفقر من أجل حماية مجتمعاتهم، أو انطلاقا من شعور برغبة الإنتقام، وذكرت أن
تجنيد الأطفال أمر محظور بموجب القانون الدولي الإنساني، وطبقا للمعاهدات
والأعراف([2]).
وذكرت المنظمة أنه في جميع أنحاء العالم
يتم تجنيد آلاف الفتيان والفتيات في القوات المسلحة الحكومية والجماعات المتمردة
للعمل كمقاتلين وطهاة وحمالين وسعاة أو أعمال أخرى كما يتم تجنيد الفتيات لأغراض
جنسية أو للزواج القسري([3]).
وفي الصومال في غضون الصراعات المسلحة،
التي اكتوى بنيرانها البلد، والتي أقحمت الوطن في أتون حروب طاحنة اندلعت بعد
الإطاحة بالحكومة المركزية الإستبدادية، كان التجنيد سمة من سمات ملامح هذه
الفترة، حيث أن كل طرف من فصائل الصراع كان قد أكب على تجنيد الأطفال، وتدريبهم
عسكريا، فقد ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أن نحو 200 ألف طفل
صومالي(حوالي5%من أطفال الصومال) قد حملوا السلاح وشاركوا في الحروب([4]).
وفي فترة زعماء الحروب الأهلية في الصومال
الذين ذاقوا الشعب الصومالي ويلات الحروب، وجرعوهم كؤس المحن، وكانت الحروب
العبثية والمعارك القبيلية التي حصدت أرواح المئات من الشعب سيدة المشهد، كان
التجنيد للأطفال بارز للعيان، وكانت الصورة القاتمة التي تُرْسم في أذهان الأطفال
أن المشارك في هذه الحروب الذي يبلي فيها بلاء حسنا ويظهر شجاعته المذهلة، يحظى
بالبطولة والإعتزاز والفخر، ويحتل مكانة مرموقة لدى الفتيات اللأتي يرغبن بالزواج،
ولدى الجميع بشكل عام، كان
الإسم اللامع في هذه الفترة هو اسم ذلك المقاتل شاكي السلاح الذي أظهر إتقانه فن
الحرب وجرأته في المعركة مع القبيلة الفلانية، ومما أذكره أن مجموعة من الأطفال تسمى كل منهم باسم زعيم حرب، مما ينم
عن إعجاب ارتسم بشكل عفوي في ضمير هؤلاء الأطفال بسبب إفرازات البيئة غير النقية.
وتعتبر الحركات والتيارات الجهادية من أكثر
الضالعين في تجنيد الأطفال واستغلالهم، كموارد بشرية بعد إخضاعهم لعمليات شحن
أذمغتهم بأيدلوجيات تحمل ملامح التشدد، والغرس فيهم بنزعات دموية، وميولات لتصفية
المخالف، وإبادته وتطهيره وسحقه من على وجه الأرض، فيتدرب الأطفال على عمليات حز
الرءؤس للأسرى، كجزء من التدريب العسكري حتى يترعرع الطفل وهو في منتهى الوحشية.
وتشار إلى حركة الشباب في الصومال أصابع
الأتهام بأنها تجند الأطفال وتستخدمهم في عمليات عسكرية وانتحارية تستهدف مؤسسات
الحكومة، ومجمعات سكنية، والأندية والمنتجعات والفنادق، وقد تجلى هذا الأمر بوضوح
في الحرب الأخيرة التي شنتها الحركة على مناطق ولاية بونت لاند حيث أن أغلب
العناصر الذين تم القبض عليهم بعد الهزيمة النكراء التي لحقت في صفوفهم كانوا
أطفالا في سن المراهقة، ما أماط اللثام عن حجم تجنيد الأطفال في صفوف الحركة.
وتحمل هذه الحرب دلالات مخيفة، حيث أن
الحركة التي عرفت بقوة استراتيجيتها ودقة مخططاتها تبعث هذه العناصر التي يشكل
الأطفال أغلبيتها الساحقة إلى منطقة نائية نوعاما من مناطق نفوذها، مع عدم وجود
حاضتة وبيئة ملائمة خصبة بإزاء قوة لا يستهان بها كل هذا أثار تساؤلات وتشكيكات
حول غرض الحركة في هذه الحرب، ويرى بعض المحللين أن الحركة تتلقى ضربات جوية من
قبل الطائرات دون طيار التابعة للولايات المتحدة التي تضيق الخناق على الحركة
وتسنهدف عناصرها ورموزها، ويُتتوقع ازدياد وتيرة الهجمات الجوية في قابل الأيام،
ما جعلها تبحث عن ملجأ ومخبأ ومكان استراتيجي ملائم، وبما أن التجربة الأفغانية
لتنظيم القاعدة ورموزها مع أمريكا أثبتت أن المناطق الجبلية هي أفضل الأماكن للتستر
من الغارات الجوية، إضافة إلى أحداث غلغلتو مع اعتقاد وانطباع بأن ولاية بونت لاند
هشة عسكريا كل هذا متراكما أدى إلى إرسال هذه العناصر ليمثلوا حقل تجربة، ولمعرفة
ما إذا كان المكان الذي وقع عليه الإختيار ملائم.
والأجدر
بحكومتي ولاية بونت لاند وولاية غلمذغ -اللتان استطاعتا بفضل قواتهما العسكرية-
الحد من نشاطات الحركة والقبض على هؤلاء الأطفال ألا يودعوهم في سجون وألا يخضعوهم
لعمليات التعذيب، ولا مساءلة قضائية، لأنهم قاصرون وأطفال، فيجب مراعاة هذه
الطفولة وإعادة تربيتها وتكوينها عبر برامج علمية تربوية صحيحة ودعم مشاريع خيرية
لتنظيم دورات يشترك فيها كبار العلماء لمناصحتهم وتغذية عقولهم بالعلوم الصحيحة وتصفية
أذمغتهم مما تم برمجته فيها مسبقا، وبقائهم قيد الإحتجاز أو المراقبة بالتعبير
الصحيح، حتى يتم إفراغ ما في جعبتهم من الأفكار الهدامة، والميولات الدموية، ويجب
بذل الجهود بإعادة دمجهم في المجتمع، فالولايتان الآن في مفترق الطريق للبرهنة على
مدى جديتهم في الحفاظ على حقوق الإنسان وخاصة الأطفال، وتنقية ملفهم الحقوقي.
الفتور عن الدعوة في الوسط الشبابي في مدينة قاريسا:
عرف الشباب في هذه المدينة تحمسه الشديد للدعوة ونشاطه الفعال، وبذل التضحيات من أجلها، وقد بلى في ذلك بلاء حسنا، مما ساهم في الترقي والإزدهار الديني في هذه المدينة والصحوة التي طرقت كل بيت، وتركت بصمات واضحة وتأثيرات إيجابية في نفوس قاطني هذه المدينة بمختلف شرائحه، ولامست شغاف قلوبهم بجاذبيتها المعروفة، وكانت لهذه الكوادر –التي نهضت للدعوة باستماتة، وشعرت بأن مسئولية الدعوة واقعة على كواهلها- أيادي بيضاء وجهود مشكورة في تصحيح مفاهيم كثيرة مغلوطة، وغرس بذور المحبة للتعليم الشرعي في المدعووين، والتصدي لجهود التبشير وإحباط محاولاته التي تنشط وتسير على قدم وساق، سيما في الحقل التعليمي من وراء الكواليس، لكن مما يلتفت النظر في هذه الأيام أن أعدادا هائلة من الوسط الشبابي الملتزم بدأ يتقاعس عن مهمة الدعوة ويتملص عن أي مهمة دعوية، وإن قام إليها قام مدفوعا متثاقلا، كأنما نزعت منه الحيوية كما تنزع الشعرة من العجين، وإن ألقى كلمة ألقاها ببرودة واضحة، كما وجدت هناك حالات انتكاسة ليست بالقليلة، وهذه الظاهرة الجديدة التي طفت على الساحة تستحق الإهتمام؛ وانطلاقا من هذا سطرت بيراعي هذه الكلمات لمحاولة التجلية عن عوامل هذا الفتور وأسبابه وهي خاضعة لاجتهادي الشخصي ويحق لكل أحد النقد والتصحيح.
مما يجب التنبيه به أولا أن الفتور عن أي عمل شئ طبيعي وقد نوه بذلك
النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:"إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت
فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت غير ذلك فقد هلك" هذا يدل على أن الفتور
شيئ يعتري النفوس البشرية وأنه طبيعي لكن أن يتزامن فتور هذه الأعداد في آن واحد
في ظل مستجدات، هذا ما يعطيها اهتماما خاصا ويجعلها ظاهرة غير طبيعية وهذه بعض
الأسباب التي أراها جلبت هذا التقاعس والفتور.
تبدد أحلام الشباب في نهوض الأمة من
أزمتها:
كان الكثير منهم يعلق آمالا كبيرة على بعض
الكيانات وبعض الحركات، لاستعادة أمجاد الإسلام، وتطبيق الشريعة، إلى غير ذلك من
أحلامهم فإذا تلك الكيانات تنهار واحدة بعد أخرى، ومنيت بهزائم، وتبين للبعض بحكم
الحوادث والمستجدات أن بعض الحركات التي يستميت في الدفاع عنها، ويعتقد أنها خاتم
سليمان، تمحضت لحصد أرواح المسلمينن، وجلب الدمار للبلاد والعباد، ولا تأتي بجذوى،
وبعض الحركات السياسية التي اعتقد بعض الشباب أنها متميزة في حلبة السباق السياسي،
وإبراز الإسلام السياسي إلى الساحة، تكبدت بخسائر فادحة، وتكالب علها الغرب
لإجهاضها عند ما سنحت لها الفرصة للتمثيل السياسي، وخيل إليه أن دون حلمه قرط
القتاد، وأصيب بالإحباط.
المشاحنات
داخل النخبة:
كان هناك شخصيات بارزة ذاع صيتهم وعرفت
حنكتهم في المجال الدعوي، وبرز هناك أسماء لامعة صارت محفورة في ذاكرة الشباب،
ولهم صولات وجولات، في توجيه الشباب وتعليمه وتغذيته بالعلوم الإسلامية، وكان
الشباب اعتقد أن هؤلاء هم النخبة، فتأسى بهم، واحتذى حذوهم، فإذا به يفاجأ بسيل
جارف من نزاعات وخلافات جذرية يجتاح وسط هذه النخبة، بلغت هذه الموجة من الخلافات
حد التراشق بالكلمات القاسية، ومسح الآخر على الأرض عبر المنابر والأقلام، بسبب
التيارات الجهادية، فأصبح الشباب بين مصدوم محتار، وبين من تفاعل مع هذه البيئة
الجديدة وتكيف معها لكن توزعت ولاءات الفئة الأخيرة لهذه النخبة ما بين مؤيد لهذا
معارض لذاك، وبين مؤيد لذاك معارض لهذا، فبرزت هناك تكتلات وانشغل الشباب بسبب هذه
النقاشات العقيمة عن المهمة الدعوية، وانحصر أمرهم في الرد على التكتل المضاد، ومن
أبرز التكتلات التي ظهرت على الساحة تكتل "الحسانيون" فلا يجتمع الشباب
في مجمع أو في معهد علمي إلا تندلع فيهم شرارة التصنيف، ويجر الحديث إلى هذا
الموضوع العقيم الذي أصبح شغلهم الشاغل، حتي الذي يحتاط ويقف موقف المحايد يخضع
لهذا التصنيف رغما عن أنفه.
الإغراق في الإقبال على الدنيا:
من أهم العوامل التي ألهت قلوب الشباب عن
مهمة الدعوة وأشغلتهم عنها الإقبال المفرط على الدنيا؛ لأن هذا الإقبال ينمو في
قلب صاحبه حتى يكون هو الأهم والمحك في قائمة الأعمال، ويأخذ الحيز الأكبر في
اهتمام الشخص وتفكيره، فتستدرجه الدنيا وترخي له الجانب، حتي يقع في فخها الذي لا
مناص منه ولا فكاك، ويجد نفسه في زخمتها، متفانيا في البحث عنها، قد نبذ من ورائه
ما عداها، فتنحصر حماسته في دائرتها، ويفتر عن غيرها.
الخطاب الدعوي الممل:
هؤلاء الكوادر في الحقيقة لم يتلقوا أي
تدريب لكيفية الإلقاء ولم تسنح لأكثرهم الفرصة ليأخذوا دورات في العمل الدعوي؛
لتحسين الأداء، فكانت الحماسة فقط ما يدفعهم لإقحام أنفسهم في هذا المجال، وشاء
الله أن لا تبقى شرارة الحماسة الفارغة متوقدة لبرهة طويلة، وإن كانت تذهل البعض
ببريقها أحيانا لكن سرعان ما تنطفئ، وسرعان ما تزول الفقاعة، وهذا ماحدث فعلا هنا
في هذه المدينة، فقلّ الخطاب الذي يسترعي انتباه الناس، ويثير أشواقهم، وملّوا من
الخطاب الممل وانفضوا عن كثير من الدعاة والخطباء والمدرسين.
نكتة:كان أحد الخطباء يلقي خطبته في الجمعة
الماضية في أحد المساجد في هذه المدينة فقال: فالحمد لله على أن جعل بلدنا هذا بلد
التوحيد، ومنّ علينا بعلماء ربانيين وولاة مطبقين لشرع الله ومنفذين أوامر
الله...!!!
عجيب كأنه يخطب لجماعة آخرى ربما تسكن في
المريخ!، والظاهر أن الخطبة ألقاها أحد الخطباء السعوديين والبلد المشار إليه هو
السعودية فأخذ صاحبنا الخطبة فألقاها علينا على علاتها كما هي!!.
