العتاب:
كان يمشي في بيداء مقفرة، بين أشجار مكثفة
في جانبي طريق رملي، تغوص أقدامه في الرمل. لا يسمع إلا تغريدات الطيور. لا يدري
متى جاء إلى هذا المكان ولماذا؟ فعقد ما بين حاجبيه مظهرا التضايق والإمتعاض. ثم
فجأة شعر بخوف شديد، يملأ ما بين جوانجه، تزايد خفقان قلبه. ثم فجأة لمح في عينيه
تل مرتفع. ثم حدج بنظره إلى ما ظنه شخص فوق التل. فلما اقترب إليه تبين له أنها
فتاة لا تكبر منه سنا. واستبشر بخير. اعتقد أن بعض أهل البادية يسكنون هنا. على
الأقل المكان مأهول ليس كما ظنتته في البداية أنه مقفر، قال ذلك في نفسه. ولما دنا
إليها هرولت إليه ونادته باسمه وعانقته معانقة حارة وهو مشدوه قالت: كنت أبحث عنك
طول اليوم أين ذهبت؟
تلكأ في الإجابة وهم أن يقول شيئا لكنها
وضعت يدها على فمه تهمس في أذنه" دع الكلام وتعال معي إلى أمك. هي تنتظرك
بفارغ الصبر" فتقدمته برشاقة ومشى خلفها تراوده أكثر من سؤال عن أمه وكيف
حالها، وهل من الممكن أن يعود إلى الحياة من فارقها؟ وعن هذه الفتاة التي تقوده
إلى أمه كما زعمت من هي؟ اسئلة كثيرة لم يجد لها جوابا و بطريقة هستيريه تحركت
الفتاة ومالت عن قدامه فإذا أمه أمام قصر
تلوح يدها إليه، فهرول إليها وجرى بسرعة وعانقها معانقة شديدة، وبكى وشرع
يشكو إليها من البؤس والفقر، فدمعت عيناها، وأشبعته بالقبل في خديه ورأسه، وبعد
هذا الترحيب الحار تنهدت الأم وقالت: إني أعتب عليك على ما فعلت اليوم؟
ما ذا فعلت يا أمي؟ قال ذلك بصوت طفولي
مخنوق، قالت: هل نسيت بهذه السرعة؟ّ
أه تذكرت الآن. يا أمي كنت جائعا ولهذا
السبب فقط أقدمت على هذا الأمر.
أنا أعرف الجوع قد عشت في عالمه منذ زمن
طويل،لكن يا بني إياك وظلم الآخرين، ولا تعد إلى هذا مرة ثانية، إنك يا ولدي ترمي
بنفسك إلى طريق وعر مملوء بالظلمات. نفس الطريق الذي سلكته هذه الواقفة أمامك التي
تعظك الآن؟
أه.....
لا تعد إلى هذا مرة تانية.
سأفعل يا أمي سأ فعل إن شاء الله.
ثم شعر بألم شديدا في رجله كأن أحدا يضربه
بمطرقة، فصدرت منه زفرة حارة، وسمع صوتا متقطعا كأنه يأتي من بعيد أو من قعر بئر،
فعزم على أن يهمل هذا الصوت ولا يصغى إليه لكن الضربات في رجله أجبرته على
الإستيقاظ، فسمع الآن الصوت بوضوح وهو يفرك عينيه ويتثاءب، إنه صوت حاج ويرح صاحب
المتجر الذي يبيت في واجهته.
استيفظ أيها الأحمق. كان يركله بقدميه فاستيقظ
وطنين صوت أمه لا زال يرن في أذنيه.
العرض المقنع:
تنهد الحاج ويرح وجال بنظره في هذا الغلام
الصغير المسكين، لكنه لم يشفق عليه فقلبه أبعد ما يكون عن الرحمة هكذا يقول عملاءه
وزبائنه. لمعت في ذهنه فكرة أن يستغل هذا الولد استغلالا حسنا، بأن يكلفه بأعمال
صغيرة مثل تكنيس المتجر ورش الواجهة، وإحضار بعض المتطلبات من المنزل وإليه، مقابل
لقيمات يتناولها مغتبطا شاكرا، حاج ويرح كان بحاجة إلى مساعد لا يتقاضى منه إلا ما
يملأ بطنه من الطعام، فهو في العقد الخامس من عمره طلق زوجته قبل شهور إثر مشاجرة جرت بينهما لكثرة غيرته، فتركت
الأطفال الصغار في بيته ولولا والدته العجوز لسقط على قدمي زوجته، لكن والدته قامت
رغم كبر سنها بتربية الأولاد في البيت وتهيئة الطعام لهم، ففكر في أن يتخذ هذا
الطفل المشرد مساعدا له ولأمه في المنزل والمتجر، فقد استقرأ من وجهه الشاحب الذي
رسمت الأيام عليه خطوطا عريضة من علامات الهم والغم رغم طفولته، أنه سيشكر له إذا
عرض عليه هذا الأمر، وفعلا تلقى صالح هذا الطلب بكل أريحية وقبول، وتمت الصفقة إن
كان يصح أن يطلق عليها هذا الإسم، وانبلجت أسارير الطفل بهذا الرزق الذي ساقه الله
إليه، والذي سيعفه من التسول أو الإنحراف إلى اللصوصية..هنا تذكر الرؤيا البارحة
ونصيحة أمه فتبسم وشعر بأن الدنيا كلها تبتسم، إلا الحاج ويرح، فهو مكفهر دائما،
ومقطب الجبين، ينصب عداء شديدا للإبتسامة، لا يحب الضحك والمرح لا بأس، سأظهر له
الجد. وأكل صالح صباح ذلك اليوم وجبة دسمة، ونشط كثيرا في أداء الأعمال الموكولة
إليه بجد وكان يتحمل الشتائم المقذعة من الحاج فهو عصبي المزاج، يثور بدون سبب لا
بأس إذا أجد الوجبة التي تثقل بطني فمن أجل هذا سأتحمل كل شئ..نعم كل شئ لأن الجوع
عدو وشبح يريد القضاء مني، وكل من يخلصني من قبضة هذا العدو سينال مني كل الثناء
والشكر، حتى وإن كان انتهازيا لا يعمل إلا لصالحه، فإذا تواطئيت المصالح فنعم ذا
وحبذا، ورقد تلك الليلة في واجهة المتجر، هكذا أمر الحاج، لم يكن يتوقع هذا، كان
يمني نفسه بالرقود على الفراش الوثير في منزل الحاج، لكن الحاج كما يبدو لم يرد أن
يلوث هذا الطفل المشرد بلاط منزله الأنيقة بله السرير والفراش، لذلك افترش هذه
الليلة بملاءته المتسخة، والتحف السماء كما كان يفعل ذلك من قبل.
الليلة المشؤمة:
الآن يغط في النوم، هل يحلم بحلم جميل، أم
يرى كابوسا مفزعا، أم ينام نومة هادئة لا تحمل سوى الراحة والسكون؟ لا أحد
يدري...سيما الواقف فوق رأسه الذي يتفحصه بنظراته. فكر قليلا في أن يترك هذا الطفل
النائم يسترخي ويستريح في نومه العميق لكن ولعه الشديد بمشاغبة الأولاد وخاصة هذا
الطفل أبعد هذا الفكر عن حيز التنفيد، هو يجد متعة منقطعة النظير حين يرى إنسانا يبكي
ويتعذب، مهووس بهذا الأمر يتذكر يوم صادف هذا الطفل نفسه في طريق يحمل في يده كيسا
من الطعام فأخذ منه الطعام وأمره بأن يتفرج عليه وهو يأكل بين يديه، أكل الطعام
كله وهو ينظر إلى الدموع التي تذرف من عيونه، يتمتع بذلك، لعلكم عرفتم من هو؟ إنه
نانا ...شاب في السابعة عشر من عمره متين البنية ربما ذلك لأنه يمارس الرياضة
ويعتني بجسمه، عاش طفولة فظيعة شبيهة لحالة صالح.. الطفل النائم، كان إبنا لأم
مهملة مغرمة بالرجال وأب مختل العقل لكنه ما إن كبر قليلا حتى وجد في نفسه هذه
الرغبة الجامحة لإيذاء الأطفال، استجمع قواه ووكز هذه الجثة الملقاة أمامه وكزة
شديدة ففزع صالح من النوم ينظر بعين شبه مغمضة، يشعر بألم شديد على كتفيه، بيد أن
عينيه اتسعتا لما عرف هوية الشخص الذي وكزه. ما ذا تريد مني؟ قال ذلك بصوت ضعيف
كأنه يتوسل.
ما ذا أريد منك؟! أنت لا تعرف!
لا أعرف. ستعرفه الليلة. سأدلى بطلباتي
إليك فإذا نفذت فلن ينالك مني مكروه هل سمعت؟
قال بصوت طفولي وهو يتوجس: ما هذه الطلبات
يا نانا؟
فصفعه صفعة شديدة. لا تنطق باسمي مجردا. قل
سيد نانا. أولا أطلب منك أن تتعرى تماما.
هذا غير معقول. صفعة ثانية أشد من سابقتها.
لا تخاطبني بهذه الصيغة. هل تريد أن تعلّمني وتقول هذا معقول وهذا غير معقول. أجب
أيها الوغد. أخد بفكيه بقبضة يده وقرب وجهه إلى وجهه. تعرّ الآن أيها المسكين أيها
الطفل الصغير وإلا سأحرقك بهذا. أخرج من جيبه قداحة.
فكر قليلا ثم نظر يمينا ويسارا، فالطريق
خالي لا يرجو إسعافا إذا صرخ، كما أن هذا يغضب هذا المهووس ويغريه إلى الإيذاء به
بحرق جسمه الواهن بهذه القداحة، فلم يجد بد من تنفيد الأمر كتلميذ بين يدي مدرسه،
فتعرى وتجرد من ثيابه الوسخة، يفكر في النقطة التالية ما ذا عسى هذا المجنون أن
يفعل؟! خطرت فيه فكرة بأن الوحش الشرير شاذ مثليّ، ثم أستبعد هذه الفكرة ربما
ليريح ذهنه، ثم قهقه نانا قهقهة كبيرة وبدأ يفتش جيوب القميص والبنطال الذي كان
يرتديه هذا المسكين الواقف بين يديه عاريا ....ثم أخذ الملاءة ولاحظ العقدة في أحد
الأطراف ترى ما الذى دفنه هنا؟ حل الرباط ونظر إلى لفافة صغيرة فيها رسائل وصورة
فوتوغرافية لكهل يبدو منه أثر الثراء.ما علاقتك بهذا الرجل الثري إنه من طبقة
الإرستقراطية؟ لا أعرف. لو سمحت هذه أمانة والدتي طلبت مني قبل وفاتها الحفاظ
عليها فاتركها لي ...إنها غالية بالنسبة لي. خرج منه هذا الكلام بصفة لا شعورية
بدون اكتراث للصفعات التي قد تطوله.
هههه طلبت منك أن تحافظ عليها وهل تستطيع
ذلك أيها العاري الذي لم يستطع الذب عن جسمه؟ ثم إنك قلت إنها ثمينة عندك.. لكني
أقول لك نعم إنها ثمينة بالنسبة لك ولي؛ لأنك لوكنت تعرف ما في هذه الرسائل
المكتوبة لعشت حياة الأثرياء في منزل هادئ ولهذا السبب آخذها هل فهمت يابن
السارقة؟
تسب أمي؟
لطمات على وجهه ووكزة في صدره أسقطته على
الأرض.
إلى لقاء آخر يابن السارقة. قال ذلك وغادر
بسرعة مع اللفافة السرية.
ابتلع صالح ريقه بصعوبة، أطلت على عينيه دمعة،
التبس عليه الأمر، ارتدى ثيابه الوسخة وجلس يعض شفتيه بغضب وحنق.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق