هذه المدينة الوديعة الهادئة المسالمة
بطبعها، مدينة كبيرة مترامية الأطراف من حيث المسافة، مدينة الوعي الديني، كانت
منذ زمن تشهد نهضة دينية، وسباق على تأسيس المراكز الإسلامية، وتغذية الشياب بعلوم
الإسلام، مدينة قاريسا قيل إن أصل هذا الإسم مشتق من كلمة(كرس)الصومالية وهي علم
على شجر يكثر في هذه المدينة، ثم طرأ تغيير طفيف في كيفية النطق من كثرة
الإستعمال، وهذا يحدث كثيرا في أسماء الأشياء وخاصة البلدان، وقيل قاريسا إسم رجل
من قبيلة مونيو وهو الذي كان يسكن فيها وهذا يعني أن هذه القبيلة كانت تسكن في هذه
المدينة ثم نزحت منها وإلا فلا تجد فيها الآن من هذه القبيلة إلا الغريب المسافر أو
العامل الموظف.
قضيت في كنف هذه المدينة وفي رحابها أياما بل
أعواما، هي من أجمل أيام حياتي، وعشت فيها أحداثا ساخنة، وأصبحتْ مخزونة لكثير من
الذكريات لحياتي المليئة بالمنغصات،وباللتيا واللتي، وترجع بي الذاكرة إلى أول يوم
قدمت إليها، كيف كنت محزونا تترقرق على عينيه الدموع، وقد تراخت مفاصل جسمي، حتى لم
أكد أقدر المثول بقدمي، لما بلغ بي الوهن والضعف جراء الحزن والكآبة، عند ما قضت
أمي نحبها، رحمها الله رحمة واسعة، أغلى إنسانة في حياتي، تلك الإنسانة العظيمة التي
عاشت في الشقاوة وشطف العيش، تكابد وتصمد امام عواصف الحياة من أجل أن تدب الأفراح
إلينا، فماتت وهي مازالت في رحلة المكابدة لمعترك الحياة، ولا زالت تعتريني لذكرى
هذه الحادثة آلام حادة بقيت في سويداء قلبي كالجرح غير المندمل، وذكرى لا يمحوها
النسيان، تتجدد موسميا سبحان الله كدت من شدة الصدمة أفارق الحياة، والذي يحز في
قلبي ويوخز ضميري أنني لم أرها قبل وفاتها أعواما عديدة، ففارقت الحياة قبل أن تقر
عيني على رؤية محياها، ورسم قبلة ودية على وجنتيها، وبأشد ما كنت اشتياقا وحنينا
إليها، فاختلبتها المنية وحالت دون رغبتي الأقدار، وفي تأبينها كنت أتظاهر
بالتماسك والشموخ، لكني كنت منهارا مصعوقا، وقد شهدت ذلك اليوم أشد لحظة على نفسي
طول حياتي، لما أوْدِعت جثمانها في اللحد، وأهيلت التراب عليها، سبحان الله هكذا
يكون مصير الإنسان، ومآل كل حي، فالموت أكبر واعظ، وأكبر عظة أحرى بالإنسان أن
يتعظ بها، لكن قسوة القلوب تجعله شيئا روتينيا لا يٌعبأ به، ومن العلاج لأمراض القلوب
التي تركمت عليها، وقساوتها زيارة القبور، ومن ثم اعتدت أنا وبعض إخوتي بزيارة
المقبرة التي فيها قبر والدتي، كل يوم جمعة تقريبا، بإشراف أختي الكبرى الفاضلة فرحية
بشير، التي كادت هي الأخرى أن تنهار عند حدوث الحادث، ولم تستطع أن تفيق من صعقة
الخطب إلا بعد مدة، وكنا نشفق عليها من شدة بكائها بعد شهور من الحادثة، لكنها
كانت تعزي نفسها بهذه الزيارة، وأنا رغم اعتراضي على تخصيص هذا اليوم بالزيارة مما
يوهم أنه ورد فيها أدلة خاصةوفضل خاص إلا أنني وافقت أخيرا جبرا لخاطرها وخاطر اخوتي، وأنْ
لم يرد ما يحظر ذلك، فكنا نذهب جماعيا لزيارة المقبرة عصر كل جمعة، نمد أيدى
الضراعة إلى مولاها ونبتهل إليه، أن يغفر لها، ويغمدها برحمته، وفي هذا الصدد أتذكر
أن كل مرة يفد إلى المدينة أحد إخوتي لا يستريح من عناء السفر حتى يزور قبرها، وفي
الحقيقة كنا متعلقين بها أشد التعلق، وصٌدمنا بهذه الرزية التي تركتنا موتورين، فاقدي
العمود الذي كنا نعتضد به، ختى خيل لبعضنا أن العيش بعد هذه الحادثة من ضرب المحال
ومن سابع المستحيلات، لكن الحياة استمرت، فهكذا يفجع الزمان بأحبتنا واحدا بعد الآخر، حتى
تكون الفجيعة فينا، ونكون المفقودين، إنها سنن الحياة، كان يعيش على ظهر هذه
الغبراء أمم عايشوا فيها أحداثا، وشيدوا عليها قصورا، وتناسلوا فيها، واليوم لا
تسمع لهم همسا ولا ركزا، فالكل غادرها، رغما عن أنفه، وصاروا جماجم وعظاما رفاتا
في بطنها، فهكذا احتلت هذه المدينة لديّ مكانة خاصة وميزة، إذ هي الحاضنة لجثمان
والدتي، وأصبحت ارشيفا لذكريات ذلك الحدث الأليم.

مقال مؤثر جدا
ردحذفشكرا يا حبيبي
حذفجميل
ردحذف