الحلقة الثانية من كتاب الرد على من ادّعى أولية النبي وأن نوره حسي



 نتيجة بحث الصور عن تأليف الكتب


المطلب الثالث:من هم علماؤه الذين خالفوه في هذه المسألة؟
فأغلب الظن أنه يعني بعلمائه -الذين خالفوه في هذه المسألة- الأحباش وزعيمهم الشيخ الهرري الحبشي([1]).
لكن الطريف أن الحبشي يكفر من يقول أن محمدا خلق من نور([2]) فما ذا عسى صاحبنا يفعل إذا علم هذا؟، سنرى ردة فعله وجوابه على بعض علمائه -حسب تعبيره-، وللهري رسالة في بطلان دعوى أولية النور المحمدى.
 ومن الصوفية الذين لم يرق لهم قول أولية النبي صلى الله عليه وسلم حسن بن علي السقاف([3]) وله رسالة (إرشاد العاثر إلى وضع حديث أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) وأبوالفضل عبد الله بن الصديق الغماري([4])الذي صنف في الرد على هذه الدعوى رسالة (مرشد الحائر في بطلان حديث جابر) فأجاد وأفاد، وأخوه الحافظ أبو الفيض أحمد بن الصديق الغماري([5]) فهؤلاء في رأيي هم الذين يعتذر عنهم المردود عليه في إنكارهم لهذه الدعوى الفجة، لكنه كما يبدو لم يطالع مكتوباتهم في المسألة وإلا ففيها ما يكفي ويقنع في هذه المسألة أم أنه الهوى؟!.
المطلب الثالث:المردود عليه وقع فيما عاب علي غيره:
قال في صدد الإعتذار عن بعض مشائخه المخالفين له في هذه المسألة: بأنه وقع منهم كسهو أو خلل في التسريد وبدون البراهين والأسانيد ...إلى آخره فهنا تستوقفنا هذه الجملة؛ حيث أنه أيضا لم يعوّل على الأسانيد ولم يهتم بها أصلا في كتابه بل كان يذكر المتون دونما نظر إلى الأسانيد ولا تمحيص بين صحيحها وضعيفها؛ إلا في ثلاثة مواضع مع قصور واضح فيها سنبين في مكانها إن شاء الله؛ ولذا وقع فيما عاب على غيره، ولم يذكر في رسالته إلا سندا واحدا ولم يتكلم على رجاله ولم يكلّف نفسه عناء البحث في بطون الكتب التي عنيت بهذا الشأن.
المطب الرابع:أشترط ولم يف:
فصاحبنا المردود عليه ذكر أن السبب الذي أدّى ببعض علمائه إلى القول بنفي أولية النبي صلى الله عليه وسلم أنهم تعقبوا على حديث جابر الواهي-حسب تعبيره- وأنهم تركوا البحث عن غيره من الأحاديث الصحيحة واشترط في رسالته أن لا يعرض فيها للإحتجاج إلا دليل من الأحاديث القوية والأيات القرآنية لكنه لم يلتزم هذا الشرط قيد أنملة ولم يوف وعده، فجل الأحاديث التي  أورد في رسالته واهية لا تنهض للإحتجاج وفيها احاديث موضوعة، وسترى مصداق ذلك إن شاء الله، ومن الوعود التي أطلقها صاحبنا وأهملها و ضرب عنها صفحا، قوله في آخر الرسالة "بأنه ترك الإستدلال بحديث جابر في أولية النبي إكتفاء بالإثار القوية"-حسب تعبيره- لكنّا نجده في أول حديث استفتح بها كتابه واستهل بها رسالته بعد المقدمة هو نفس حديث جابر لكنهم قلّبوه وأسندوه إلى عمر بن الخطاب فانطلى عليه بل إنه استدل جزء من حديث جابر في( ص13).
                        
المقدمة الثالثة:

المطلب الأول:غمزه في تقسيم التوحيد إلى ثلاثة:
ففي خطبة كتابه الركيكة غمز الذين يقسمون التوحيد إلى ثلاثة، وهذه الغمزة والإنكار لهذا التقسيم أمر يدندن عليه الأشاعرة والمتصوفة في هذا الزمان وجعلوا هذه المسألة سلما ومتكئا للطعن على من يقول بها بل تجاوز ببعضهم الحد -إن  لم أقل كلهم –حيث شبههوه بعقيدة التثليث كما فعل ذلك حسن بن علي السقاف الأشعري فصنف رسالة أسماه (التنديد بمن عدد التوحيد.إبطال محاولة التثليث في التوحيد والعقيدة الإسلامية) هكذا يحكم على الموحدين المسلمين بمحاولة التثليث وأنهم يدعون إلى وثنية كما في (ص19) قال الشيخ  عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد: "ومن المعلوم أن التثليث عقيدة نصرانية فاسدة حكم الله في القرآن على أهلها بالكفر، ولم أحسب أن أحدا تبلغ به الجرأة أن يحكم بهذا الحكم أو يقرر هذا التقرير الباطل الجائر ....وأقول ما قيل:
الله أخر موتتي فتأخرت**حتى رأيت من الزمان عجائبا
... وقال أيضا:"وهذه العقيدة تقوم على أساس جعل الألهة تلاثة الإبن الأب وروح القدس وقد كفرهم الله بها في محكم تنزيله...أه([6]) وأنى لنا أن نقول بمثل هذا الكفر فإن هئؤلاء يهرفون بما لا يعرفون، ويقصد بعضهم التلبيس على العوام وإيهامهم فأكثر الصوفية الصومالية الذين نا قشتهم في هذه المسألة يقولون بأنا نقول أن هناك آلهة ثلاثة؛ فلعلهم يقصدون بذلك الإنتقام والتشفي بعد أن عيب عليهم طلب غفران الذنوب وعلاج الأمراض ودخول الجنة والإنقاذ من النار من غير الله ممن ماتوا.
 وقد رد على رسالة السقاف فأحسن وأجاد الدكتور عبد الرزاق عبد المحسن العباد وسماه ب"القول السديد على من أنكر تقسيم التوحيد" ومن يريد التفصيل في هذه المسألة فليرجع إلى هذا الرد فإنه مدعوم بأدلة الكتاب والسنة وقد أفدنا منه في هذه المسألة.
المطلب الثاني: أقسام التوحيد عند الأشاعرة:
وأما قولي بخصوص هذه المسألة فهو أن المطالع لكتب الأشعرية وخاصة المتأخرة منهم يلمس فيها تقسيما للتوحيد إلى (توحيد الذات) وهو ما يعبرون عنه بقولهم الله واحد في ذاته"، وإلى (توحيد الأفعال) في قولهم "واحد في أفعاله" (وتوحيد الصفات) في قولهم "واحد في صفاته" (واحد لا شريك له في ذاته وصفاته وأفعاله)([7])  قال الشهرستاني:" وأما التوحيد فقد قال أهل السنة، وجميع الصفاتية: إن الله تعالى واحد في ذاته، لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية، لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له أه([8])تقسيم بتقسيم فلم يعيبون على غيرهم مما هم فيه؟!.
المطلب الثالث:أدلة أقسام التوحيد الثلاثة:
 فأما التقسيم الذي ينكره هئولاء فهو القول بأن الله واحد في ألوهيته وهو ما نعبر عنه بتوحيد العبادة بمعني لا يشرك أحد مع الله في عبادته، وأكثر آيِ القرآن ناطقة  بهذا المعنى بل خلق الله الخلق لتقرير هذا التوحيد (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)([9]) وأرسل الله الرسل من أجله"ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدو الله واجتينوا الطاغوت"([10]) ويقول الله تعالى( قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له ديني)([11]) ويقول أيضا جل جلاله(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء)([12]) وقوله(إياك نعبد وإياك نستعين)([13]) (ياءيها الناس أعبدو ربكم....)([14]) إلى غير ذلك من الأيات التي تأمرنا بإفراد العبادة لله والأخريات التى تنهانا عن الإشراك به عز وجل فإنه ظلم عظيم(ولا تدع من دون الله ما لا ينفك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين)([15])(ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين)([16]).
قال فخر الدين الرازي في تفسير قوله تعالى: (فاعبد الله مخلصا له الدين):"...وهو أن يشتغل الإنسان بعبادة الله تعالى على سبيل الإخلاص ويتبرأ عن عبادة غير الله تعالى بالكلية، فأما اشتغاله بعبادة الله تعالى على سبيل الإخلاص فهو المراد من قوله تعالى:(فاعبد الله مخلصا) وأما براءته من عبادة غير الله تعالى فهو المراد بقوله:(ألا لله الدين الخالص) لأن قوله (ألا لله) يفيد الحصر، ومعنى الحصر أن يثبت الحكم في المذكور وينتفي عن غير المذكور([17]).
والقسم الثاني من التوحيد :هو توحيد الصفات وهذا عندهم حيث قالوا"واحد في صفاته" ومقصودنا منه إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله من الأسماء والصفات من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ومن أسمائه الرحمن الرحيم العليم القدير الملك القدوس إلى غير ذلك من الأسماء التي ثبتت عن طريق النقل، ومن الصفات الرحمة القدرة والعلم والرضا وغيرها مما هو ثابت عن طريق النقل والسمع دونما تعطيل كليا أو جزيئا كما عطل الأشاعرة، وأنكروا بعض الصفات وأثبتوا بعضها دونما علة أو سبب معقول، فمثلا أنكروا الإستواء والنزول والضحك وهي ثابتة لا شك في ذلك، وأولوها حسب ما يتطابق مع أفهامهم وعقولهم، وقالوا إنه يترتب من إثباتها تشبيه الخالق بالمخلوق؛ لأن الذي يرضى ويغضب هو المخلوق وهو الذي يستوي وينزل، وأثبتوا القدرة ةالإرادة والسمع والبصر، والعلة الذي ذكروها  في الصفات السابقة موجودة أيضا في هذه، فالمخلوق يسمع ويبصر ويريد، لكنهم لم يعرفوا أن الصفات تابعة للذات فكما أن ذات الله غير معلومة فكذلك صفاته، فصفات الله ليست التي نعرفها في المخلوق حتما، فاتفاق الإسم لا يعني إتفاق المسمى، فسمعه غير سمع البشر ومن قال ينزل كنزولي أو يسمع كسمعي فهو ممن المشبهة الضالة نعوذ بالله من ضلالهم.
قال الإمام أبو عمر ابن عبد البر -الذي هو من بحور العلم ومن أئمة الأثر كما وصفه الذهبي([18])-:"أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وخملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله ونة رسوله صلى الله عليه وسلم وهم أئمة الجماعة والحمد لله([19])
الثالث هو توحيد الربوبية وهو ما يتعلق بأفعال الله وهذا عندهم أيضا حيث قالوا" واحد في أفعاله" مثل الخلق وتدبير الكون والإحياء والإماتة فهذه الأفعال خاصة بالله تعالى
قال أبو حامد –وهو من متكلمي الأشاعرة-في كتابه التبر المسبوك:" وأن جميع ما في العالم مخلوق له تعالى وليس معه شريك ولا خالق، بل هو الخالق الواحد، ومهما خلقه من تعب ومرض وفقر وعجز وجهل فعدل منه، ولا يمكن الظلم في أفعاله؛ لأن الظالم هو الذي يتصرف في ملك غيره، والخالق تعالى لا يتصرف إلا في ملكه، وليس معه مالك سواه، وكل ما يكون وهو كائن فهو ملك له، وهو المالك بلا شبيه ولا شريك وليس لأحد عليه الإعتراض بلم وكيف، ولكن له الحكم والأمر في كل أفعاله وما لأحد غير التسليم والنظر إلى صنعه بالرضا بقضائه([20]) أه.
 وقال في كتاب قواعد لعقائد:" وأنه ذو الملك والملكوت، والعزة والجبروت، له السلطان والقهر والخلق وألأأمر، السموات مطويّات بيمينه، والخلائق مقهورون في قبضته، وأنه المتفرد بالخلق والإختراع، المتوحد بالإيجاد والإبداع، خلق الخلق وأعمالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم لا يشذ عن قبضته مقدور، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور، لا تحصى مقدوراته، ولا تتناهى معلوماته([21]).
قال تعالى:(ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)([22]) (الله خالق كل شي وهو على كل شي وكيل)([23])(الحمد لله رب العالمين)([24]) (قل إن الأمر كله لله)([25]) قال تعالى(إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)([26]) وقال أيضا(يدبر الأمر من السماء إلى الأرض)([27])وهذا النوع من التوحيد هو الذي أقر به كفار قريش كمافي قوله تعالي:"قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شي وهو يجير ولا يجار عليه إن كتنم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون)([28]) (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحيّ من اليمت ويخرج الميت من الحيّ ومن يدبر الأمر فسيقولون الله قل أفلا تتقون* فذلكم الله ربكم الحق فما ذا بعد الحق إلأا الضلال فأنى تصرفون)([29]) فمجرد إقرارهم لهذا النوع من التوحيد لم يدخلهم في الإسلام مادام كانوا يشركون مع الله في عبادته ولم يعترفوا بوحدانيته في الألوهية والعبادة فقالوا(أجعل الألهة إلها واحدا إن هذا لشي عجاب)([30])قال ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية" يقول وقال هئولاء الكافرون الذين قالوا محمد ساحر كذاب أجعل محمد المعبودات كلها واحدا، يسمع دعاءنا جميعا، ويعلم عبادة كل عابد عبده منا، إن هذا لشي عجاب أي إن هذا لشي عجيب"([31])

المطلب الثالث:
علة منع الأشاعرة لهذا التقسيم:
فالإشكال الذي يدندنون على إيراده على هذا التقسيم هو أنه يترتب عليه أن يقال أن مشركي العرب كانوا موحدّين، فنقول إن الإقرار بهذا التوحيد أي باعتقاد أن الله هو الخالق المتصرف بالأمور المحيي المميت يستلزم منه إخلاص العبادة لله فبدون القسم الثاني أي إفراد العبادة لله واعتقاد أنه المستحق للعبادة يبقى الأول لا ينجي صاحبه ولا يدخله في الإسلام وإن كان عنده جزئية من الإيمان قال تعالى:(وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون)([32]).
عن مجاهد قال في هذه الآية:"إيمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويمتنا"([33])
قال ابن عباس: من إيمانهم أنهم إذا قيل لهم من خلق السموات، ومن خلق الأرض، من خلق الجبال؟ قالوا الله، وهم مشركون به قال الحافظ ابن كثير بعد هذه الرواية:" وكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والصحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وفي الصحيحين: أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. وفي صحيح مسلم أنهم كانوا إذا قالوا: لبيك لا شريك لك فال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد قد) أي حسب حسب، لا تزيدوا على هذا([34]).
قال الإمام أبو جعفر الطبري شيخ المفسرين في تفسير هذه الأية:"يقول تعالى ذكره: وما يقر أكثر هؤلاء-الذين وصف عز وجل صفتهم بقوله(وكأين من آية في السمات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون)- بالله أنه خالقه ورازقه وخالق كل شئ إلا وهم مشركون في عبادتهم الأوثان والأصنام، واتخاذهم من دونه أربابا، وزعمهم أن له ولدا، تعالى الله عما يقولون وبنحو الذي قلنا قال أهل التأويل.([35]) ثم ذكر بأسانيده من قال ذلك ممن سبق ذكرهم في كلام ابن كثير رحمة الله عليهما وعلى المسلمين جميعا.
قال فخر الدين الرازي في تفسير هذه الآية:"فالمعنى انهم كانوا مقرين بوجود الإله بدليل قوله(ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) إلا أنهم كانوا يثبتون له شريكا في المعبودية" انتهى المقصود من كلامه([36]).
وقال أيضا:" وحاصل الكلام لعباد الأصنام أن قالوا إن الإله الأعظم أجل من أن يعبده البشر لكن اللائق بالبشر أن يشتغلوا بعبادة الأكابر من عباد الله مثل الكواكب ومثل الأرواح السماوية، ثم إنّها تشتغل بعبادة الإله الأكبر فهذا هو المراد من قولهم: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)"([37]).
وقال أيضا:"وذلك لأنهم وإن كانوا يقولون:أجعل الآلهة إلها واحدا) على سبيل الإنكار وكانوا يبالغون في الشرك، لكنهم في تضاعيف أقوالهم وتصاريف أحوالهم كانوا يصرحون بالتوحيد، وانوا يقولون:(ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وقال تعالى(ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله)"([38]).
وقال أيضا:"الوجه الرابع: أنه كان يموت أقوام صالحون فكانوا يتخذون تماثيل على صورهم ويشتغلون بتعظيمها وغرضهم تعظيم أولئك الأقوام الذين ماتوا حتى يكونوا شافعين لهم عند الله وهو المراد من قولهم:(ما نعبدهم إلا ليقربونا إل الله زلفى)([39]).
وأخرج الطيالسي من طريق عمرو بن الشريد عن أبيه قال: استنشدني رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة قافية من شعر أمية بن أبي الصلت  كلما أنشدته قافية قال:(هيه) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن كاد ليسلم في شعره" وأخرجه مسلم أيضا.
قال صاحب كتاب عبث أهل الأهواء بتراث الأمة:" اعلم أخي القاري أن هذا الحديث دليل لما ذهب إليه العلماء من أن كفار قريش الذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يقرون لله بالربوبية؛ لذا يحرص القبوريون –دعاة الأموات-على إخفاء هذا الحديث وأمثاله ...إلى أن قال:"  فانظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن كاد ليسلم" فلم يحكم له بالإسلام مع أن شعره ملئ بتوحيد رب الخليقة بالخلق والإحياء والإماتة. قال النووي:"واستزاد من شعره لما فيه من الإقرار بالوحدانية والبعث"([40]).
قال الشهرستاني عند ما ذكر أديان العرب:"وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الآخرة، وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر، وأحلو وحرموا وهم الدهماء من العرب إلا شرذمة منهم نذكرهم([41]).
وقد وردت آيات كثيرة في هذا المعنى وإليك بعضا منها:

قال الله عز وجل : " وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ  اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)([42]).

قال الله عز وجل : " وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)([43])
قال الله عز وجل : " وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ([44]).

قال الله عز وجل : " وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)([45]).
قال الله عز وجل : " وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)([46]).


قال الله عز وجل : (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)( [47]).

مما يدل على أن المشركين كانوا يعبدون الله ويعبدون معه آلهتهم الباطلة ، فوجه كفرهم ليس إنكارهم وجود الله بل لعدم إفرادهم الله بأحكام العبادة ولهذا كانوا مشركين لأنهم أشركوا مع الله إلهاً آخر : 

قال الله عز وجل : ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)([48]).

قال الله عز وجل : (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُون)([49])

مما يعني أن المشركين كانوا يعرفون التوحيد والإخلاص لكن إخلاصهم يكون في الشدة ثم يشركوا في الرخاء .

قال الله عز وجل : (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ)([50])

قال الله عز وجل : " قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُون)([51])

إذا كانت هذه الآيات لا تدل على توحيد المشركين لله توحيد ربوبية وكفرهم بتوحيد العبادة ، فعلامَ تدل ؟؟؟؟؟ 


قال الله عز وجل : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)([52]).



[1] -  شيخ عبد الله الهرري الحبشي ولد في مدينة هرر في عام 1910م وتوفي في بيروت عام 2008م.
[2] -(منار الهدى 34/25 و34/25 .)أنظر كتاب المقالات الدمشقية في الدفاع عن ابن تيمية وكشف ضلالات الحبشية (ص173).
[3] -من الأردن ولد في عام 1961م ولا زال على قيد الحياة.
[4] -ولد في عام 1910 بثغر طنجة وتوفي في عام 1993ر بطنجة ودفن فيها قرب والده.

[5] -أنظر كلامه على حديث جابر وحكمه عليه بالوضع في كتاب المغير على الأحادئي الضعيفة في الجامع الصغير(ص7).
[6] -القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد (ص 16) عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد، دار ابن القيم،الدمام، المملكة العربية السعودية\دار ابن عفان، القاهرة مصر، الطبعة الثالثة.
[7] نظر طبقات الشافعية الكبرى 9\39، تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، ت د محمود محمد الطناجي ود عبد الفتاح الحو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، ط2. وانظر تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، ص59- 60.
[8] - الملل والنحل أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني 1\42 مؤسسة الحلبي.
إفادة: وفي كتاب تاج العروس لمرتضى لزبيد (9\276) التوحيد توحيدان توحيد الربوبية وتوحيد الإلاهية فصاحب توحيد الربانية يشهد قيومية الرب فوق عرشه يدبر أمر عباده وحده فلا خالق ولا رازق ولا معطي ولا مانع ولا محيي ولا مميت ولا مدبر لأمر المملكة ظاهرا وباطنا غيره، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن...إلى أن قال:وأما توحيد الإلاهية فهو أن يجمع همته وقلب عزيمته وإرادته وحركاته على آداء حقه، والقيام بعبوديته أه. والزبيدي من أعلام الأشاعرة.
[9] -سورة الذاريات (آية 56).
[10] -سورة النحل( آية 36).
[11] -سورة الزمر(آية 11).
[12] سورة البينة (آية 5).
[13] -سورة الفاتحة (آية 5).
[14] -سورة البقرة(آية21).
[15] - سورة يونس (آية 106).
[16] - سورة الزمر (آية 65).
[17] - تفسير الكبير(26\420) لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسن التيمي الملقب بفخر الدين الرازي، دار إحياء التراث العربي-بيروت، الطبعة الثانية.

[18] - انظر العلو للعلي الغفار (250) سمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي،ت- محمد أشرف بن عبد المقصود، مكتبة أضواء السلف- الرياض، الطبعة الأولى.
[19] -التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد(7\145) أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري الغرناطي، ت- مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري/ وزارة عموم الأوقاف والشئون الإسلامية- المغرب.
[20] - التبر المسبوك في نصيحة الملوك ص12 أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي ،ت: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان ط1.
[21] -نقلا من كتاب طبقات الشافعية الكبرى 6\232-233، تاج الدين بن عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، ت د محمود الطناجي ود عبد الفتاح محمد الحو، دار هجر للطباعة والنشر والتويع ط2.
[22] - سورة الأعراف(آية 54).
[23] - سورة الزمر (آية 62).
[24] - سورة الفاتحة (آية 1).
[25] - سورة آل عمران (آية 154).
[26] - سورة الذاريات(آية 58).
[27] - سورة السجدة (آية 5).
[28] - سورة المؤمنون (84-89).
[29] - سورة يونس (آية 31-32).
[30] - سورة ص (آية 5).
[31] -تفسير الطبري(21\149).ط1مؤسسة الرسالة ت أحمد شاكر.
[32] - سورة يوسف (آية 106).
[33] -تفسير الطبري لمحمد بن جرير بن أبو جعفر الطبري، ( 16\287) ت- أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة.
40-تفسير القرآن العظيم(ابن كثير)لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري، (4\358) ت- محمج حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون-بيروت.

[35] -جامع البيان في تأويل آي القرآن لمحمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن عالب الآملي أبو جفعر الطبري (16\286) ت- أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى.
[36] -مفاتيح الغيب المعروف بالتفسير الكبير(18\520) لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسن التيمي الملقب بفخر الدين الرازي، دار إحياء التراث العربي-بيروت، الطبعة الثانية.
[37] -المصدر السابق( 26\422).
[38] -المصدر السابق(28\160).
[39] -المصدر السابق(30\657).
[40] - عبث أهل الأهواء بتراث الأأمة ووقيعتهم في علمائها نظرة تطبيقية في كتب حسن بن علي السقاف (22)، لمحمد بن سعيد بن عبد الله الكثيري. وكلام النووي  في شرحه على صحيح مسلم(15\11) دار إحياء التراث العربي الطبعة الثانية.
[41] -الملل والنحل(3\80) لأبي الفتح محمد عبد الكريم الشهرستاني، مؤسسة الحلبي.وقد أفدت هذه المعلومة من هامش كتاب عبث الأهواء ثم بحثت عنها فأنصح الإخوة بقراءة كتاب عبث أهل الأهواء بتراث الأمة؛ فإنه مفيد جدا.
[42] - (61-63) " العنكبوت
[43] - (25) " لقمان
[44] -38) "  )الزمر
[45] -(9) " الزخرف
[46] -(87) " الزخرف
[47] -(3) " الزمر
[48] -(18) " يونس
[49] - (65) العنكبوت
[50] - (54النحل
[51] -40-41 الأنعام
[52] - العنكبوت الآية 63

هناك 3 تعليقات:

كافة الحقوق محفوظة 2012 © site.com مدونة إسم المدونة