الولد المفقود:
استيقظت من النوم تتثاءب في وقت متأخر من
الصباح، لأنها كانت ليلة البارحة في سهرة في احدى الفنادق، وهي راضية عن نفسها
لأنها تتذكر كيف كانت متألقة في الحفلة وكيف استطاعت بجمالها أن تجذب أنظار
الرجال، وكانت ترى ومضات من الغيرة تتراقص في عيون صاحباتها،هي فاطمة. سيدة في
العقد الثالث من عمرها. تزوجت وقتا مبكرا وارتبطت برجل أحبته وأحبها، لكنها اكتشفت
أنه مخبول ومريض نفسيا، فبدأ يعذبها جسديا ويرغمها على أشياء كانت ترى من العظائم،
حتى كرهته أشد الكره حتى إنها فرحت كثيرا لحظة وفاته، بل إنها تعتقد أسعد لحظة مرت
على حياتها،ويقول البعض أنها هي التي دست السم في طعامه فمات على إثر ذلك، ثم رأت
الدنيا مسودة أمام وجهها لا تجد عائلا يعولها ولا من يرحم ويشفق عليها وعلى ولدها،
وليس لها مورد تعيش منه، حاولت أن تحصل على زوج يعينها على حالتها المادية، ويأخذ
عنها عبء الحياة، لكنها أخفقت في كل ذلك، وانفصل عنها أكثر من واحد بعد العلم بأن
لديها ولد أنجبته من زوجها السابق، فحارت في شأنها، ثم وظفت جمالها، لجلب القوت إليها وإلى ولدها
الوحيد نانا، فأنخرطت في سلك المومسات وارتادت بيوت الدعارة، تشعر بتأنيب الضمير
والإستياء ثم لم يمر على ذلك برهة حتى أصبحت الوظيفة الجديدة من إحدى هواياتها،
وتفرغت لهذا الأمر الذي أحبته من قلبها، فتهافت عليها الرجال وتسابقوا إليها
لجمالها المبهر، وأصبح أصدقائها من الطبقة الثرية، ففعلت كل شئ لإقناعهم وجمع
المبالغ الطائلة منهم، ومن ثم تعرض ولدها للإهمال، لكن هذه الأيام وبعد أن كبر
قليلا أصبح مشاكسا ومزعجا لها ولزوارها، فقد كان عند حضور ضيفها يرشق سطح المنزل
بالحجارة، ويشتمها ويشتم الزائر، الذي جاء يطلب الهدوء والراحة والتمتع، فالضجة
والفوضى ينفر ضيوفها الأعزاء ومن ثم كرهت ولدها، لأنه يغلق عنها مصدر القوت
والراحة، تعتقد أنه ورث من والده الخبل، لذلك تناديه في كل مرة يا مخبول، وهو
بدوره يبادلها الشتيمة، لكنه والحق يقال كان يخدمها ويجلب الماء من البئر الذي
ببعد عن بيتها كيلومترات ويصنع لها الشاي، إلى غير ذلك من حاجياتها، لكنها لمدة
ثلاثة أيام لم تره فساورها قلق على فلذة كبدها، هل مات؟ ما ذا حدث له، وعزمت على
البحث عنه. فأجرت اتصالا ل "غري" صديقها الحميم، الذي ما إن تلقى
الإتصال وسمع فقدان الولد حتى بدت منه علامات الفرح رغم محاولته أن يكبت سروره ليواسيها
وقال لها:أنه سيبحث عن الولد لكنه في قلبه كان يتمنى أن يموت هذا الولد ولا يعود
إلى الحياة، لأنه لقنه ذات يوم درسا عظيما حيث وشى أمره وعلاقته مع أمه إلى زوجته التي
جن جنونها لما تيقنت الخبر وطلبت الطلاق، فهو منذ ذلك اليوم يكره نانا المشاغب، فأخذ
عنها معلومات عن الولد عن اسمه الكامل "نانا مختار حيري" عما كان يرتديه
من الملابس آخر مرة فحدست المرأة بأنه كان يلبس قميصا أحمر وبنطلانا أحمر، كان
يميل إلى الملابس الحمراء، وبعد الظهر من ذلك نودي اسمه في الإذاعة ومكبرات الصوت
في المساجد، ومرت الأيام والأيام ولم ير له أثر ولم يعثره أحد ولم تجهد أمه في
البحث عنه بل حتى عن السؤال لصديقها عن أخباره لأنها اعتقدت أنه مات وأكله السباع.
أم الحاج ويرح ثم الحادثة:
العجوز أم الحاج هي امرأة طاعنة في السن
لكنها لا زالت متماسكة، لم يتقوس ظهرها، وهي رغم أنها في السبعين من عمرها لكنها
لاتشتكي من الأمراض المزمنة التي يعاني منها كبار السن أمثالها، وهو تعزي هذا
الفضل إلى عنايتها الشديدة بالنظافة، لها قواعد وضعتها لنفسها ولكل من يدخل تحت
سلطتها الصغيرة طبعا، لذلك اندهشت لما رأت الطفل الذي اختارها ولدها ليكون لها وله
مساعدا، وشعرت باشمئزاز وتقزز لما على بدنه وثوبه من الدرن والوسخ،وتذمرت على صنع
ولدها لكنها لم تلح عليه أن يبحث عن شغالة ووصيفة؛ لأنها تعرف بخله، فابتسمت للولد
صباح اليوم التالي لكنها أمرته بالإستحمام وأدخلته في دورة المياه، وأعظته بعض
الملابس، وتعجبت من تعابير وجهه وكيف أنه لا يبدو مسرورا ومتكاسلا وشارد الذهن، بينما
كان أمس نشيطا يلبي الطلبات بخفة ومهارة، وحاج ويرح لاحظ هذا التغير أيضا، لكن
أحدا منهما لم ينجح في معرفة السبب، بيد أن الحاج خمن أن الملابس الوسخة كانت له
مصدر دفء ونشاط، على أية حال كان صالح يبكي من قلبه، يسرح فكره في الأمانة التي
أخذها منه نانا عنوة، كان يشعر الحنق والكراهية تجاه العالم، وفي ظهيرة ذلك اليوم
أمرته أم الحاج ليجلب الماء من البئر، كان ذلك الوقت لم تتوفر حنفات المياه في
المدينة، فالبئر الواحد يشترك فيه عدد هائل من الأسر، يصطف عليه الناس ويزدحمون، وكان
أفضل وقت لجلب الماء على رأي أم الحاج وقت الظهيرة، ففي هذا الوقت يسترخي الجميع
ويغلب على الظن أن لا يوجد ازدحام في البئر، فأخذ الجالونات وتوجه إلى البئر، يشعر بالتسخط
والعضب حول العالم، يشعر في نفسه مشاعر الكراهية للجميع، تبدلت نظرته حول العالم
بعد حادثة البارحة التي عكرت صفو حياته، والتي تركت في أعماقه جرحا غائرا ينزف،فالأمانة
الوحيدة التي كان يحافظ عليها ذهبت في أدراج الرياح، لا أمل لاستعادتها، فكر في أن
يستعين بعض الكبار لاستعادتها من ذلك الذي يسميه المخبول، استمر طوال الطريق يحدث نفسه،
ولم ينتبه إلا وهو عند البئر، كان قد صدق حدس المرأة العجوز، فالبئر خال من الناس
إلا فتاة سمراء أشبه ما تكون بالتي رآها في منامه ليلة لقيانه بأمه، صوب نظره
إليها مما أخجلها وابتعدت عن البئر وجلست على مصطبة لا تبعد عن البئر كثيرا، فأدخل
صالح دلوه في البئر وأخذ طرف الحبل بيده الصغيرة، ولما وصل الدلو في قعر البئر كان
هو الآخر سقط في البئر متوجها نحو القعر، وكانت الفتاة السمراء ترى ما يحدث فصاحت
بأعلى صوتها، وطرقت الأبواب حتى خرج الناس مسرعين مقبلين، فأخبرتهم بما حدث.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق