هذه الواحة الخضراء، المزدانة بحسن التصميم
المرصعة بشكل أنيق بفضل صاحبي ورفيق دربي ومن كان يسدي إلي أياديه التي لا ينضب
معينها مذ أن تعارفنا، وتآلفت قلوبنا، هو الشاب النشيط صاحب الأريحية، والقلب
العظيم، عبد الله كسمايو، وكان له في البداية الإقتراح ثم الإنشاء ثم
التصميم، يرى بحسن ظنه فيّ أني أهل لأن
أحمل القلم وأؤدي أمانة الشعر في خدمة الدين والأمة والوطن والمبادئ الإسلامية
العظيمة، وأرجو أن أكون عند حسن ظنه، ثم رأيت هذه الروضة النضرة تناجيني وتغازلني
وتستثير مشاعري لأنبري إليها وتجرب شاعريتي، تتبختر في غنجهيتها، وترنو إلي بطرفها
القاتل، هذه الروضة تهمس في صماخي أنها مملكتي الخاصة، وعشيقتي أطوف فيها بحرية
وأستمتع بها هبوطا وصعودا، وصوت البلبل الذي يعزف على أوتار شجية يقع على مسامعي
ويأسر لبي، هكذا تغريني هذه الروضة النضرة بعبقها الأخاذ، وجمالها الخلاب؛ لتوقعني
في فخها وكمينها، لكن لا خيار لي أمام إغوائها وهي البارعة في صنوف الإغواء
والإغراء، أنا لست تمثالا وجلمودا لا يتحرك، وجمادا لا ينطق ببنت شفة، لي مشاعر
وأحاسيس أريد أن أعبر عنها، وأبرز ما يجيش في صدري ويختلح في قلبي إلى حيز الوجود،
لكن كيف لي ذلك وكل ما حولي يبعث إلي تهديدا صارخا، ويحذرني من مغبة الإنصياع لهوى
نفسي، وينصحني بأن أظل صامتا، إن كنت أطلب السلامة، نعم إن للكلمة تبعات تغضب
البعض وتفرح الآخرين، وكم من كلمة قتلت أصحابها، وإذا راجعت التاريخ رأيت مصداق ما
أقول، رأيت جثثا ملقاة على هاماتها، لم يقتلها إلا الكلمة، مكتوبة على جباههم
شهداء الكلمة، لكن هؤلاء خلد ذكرهم التاريخ بنصب تذكارية أو بتراجم فيها الإطراء
والثناء والرثاء عليهم، لكن على خلاف هؤلاء هناك من لم يرد ذكرهم إلا في هامش
التاريخ أو أهملوا إهمالا كاملا أولئك شهداء الكبت، الذين خافوا على أنفسهم من
تبعات الكلمة وجريرة النطق، فبقوا صامتين ويلعبون دور المتفرج على كل حادثة، لا
يعلقون عليها ولا يبدون آراؤهم فيها مع رغبة شديدة يضمرونها في أنفسهم فعانوا من
الكبت وإظهار العيّ المتصنع والخرص المتكلف، فهاجت في نفوسهم ثورة داخلية كانوا هم
الضحية فماتوا إثر ذلك، إذن أي الفريقين أكون منهم؟.
فلندع الجواب للمتنبي أحد ضحايا الكلمة
أمير الشعراء ورب القوافي الذي قال عن شعره:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي**وأسمعت
كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها**ويسهر الخلق
جراها ويختصم
هذا المتنبئ يفتينا في السؤال السابق
ويقول:
عش عزيزا أو مت وأنت كريم**بين طعن القنا
وخفق البنود
واطلب الغز في لظى ودع الذ**ل ولو في جنان
الخلود
سأنثر في هذه الواحة الخضراء ما ينثال على
خاطري من الأفكار بين منظوم ومنثور، وأحب أن أرحب زوار هذه الواحة الخضراء وأعدهم
بأن لا يخيب أمالهم وأبذل قصارى جهدي على إثراء
هذه الساحة والبذر فيها بما يمكن للزوار قطفها بسهولة، وأجعل فيها نافورة ينهل
ويعل منها من ناله العطش، هذا ما أنوي به ولا أعلم ما في رحم الغيب من المفاجآت، إنها
بداية رحلة في درب شاق مفروش بالحسك والشوك لا بالورود، لكنها ممتعة ولها نشوة
ولذة لا تقاس بشئ وسيما بعد النجاح، من خاف منها عافها ومن عشقها رضي بالموت من
أجلها إنها الكتابة عشيقتي وعشيقة الكثيرين، وأرجو أن أوظف كتابتي فيما هو أنفع
وأجذى، وأشيد كل من ينتهج النقد في أعمالي النثرية والشعرية إن كان النقد بناء
وغير جارح وبطريقة علمية، ولا خير في القصائد إذا لم ينقد كما يقول الشاعر
العشماوي، أما من خنقه الحسد والغيرة ويهذي هذا بكلام غير صحيح لقصد التثبيط
والإحباط فإنّا لا نأبه به ونمشى بخطى ثابتة نحو الهدف والغاية، وإذا كان النابغة
من فحول الشعراء القدامى ينتقد في شعره ويقع في عيب من عيوب الشعر وهو الإقواء فما
بالك بغيره، فمرحبا للنقاد المؤهلين ومهلا للمثبطين العاوين بالبذاءة والفحش من
القول.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق