صراع من أجل البقاء وصور من الضياع:
انتحى صالح ومال عن الشارع، واضجع على
جانبه، وقد أنهكه التعب، وبدا الإجهاد جليا عليه، فقد كان يهيم طول اليوم ويسير في
عراك يناضل من أجل لقمة عيش، ويتسكع في الطرق، ويمد يده الصغيرة إزاء الكبار
ليمنحوه قروشا يستعين بها على سد الرمق، كعادته في جميع الأيام، لكن كثيرا ما كان
يتلقى الركلات في المؤخرة بدل الحصول على بغيته، وقليل من كان يصرفه عن نفسه بلطف
وشفقة، دون إعطائه شيئا، لكن الذي يغضبهم أنه ما يسمع هذه النبرة الممزوجة باللطف،
حتى يمسك بثوب صاحبه، بأيديه الوسخة، ويتشبث به صارخا بصوت فيه أنة وبكاء، يستنجده
على العطاء، وكان كغيره من المشردين ونظرائه في البؤس الذين يكبرونه قليلا يجول في
المزبلة لعل الحظ يساعده فيعثر على فضلات الطعام التي يرميها أصحاب الثراء الفاحش،
لكنه الآن يشعر بزهوة الإنتصار حيث أنه حصل اليوم من فضلات المطعم "بركات"
شيئا مع صاحبه "زعيم" مقابل تنظيف القدور والصحون الكثيرة، يبدو مغتبطا
بصداقته مع الزعيم الذي يتمتع بمزايا خاصة من بين أولاد الشوارع حيث أن له علاقة
مع أصحاب المطاعم، وبما أنه أطول منه ببضعة أشبار وأكبر منه سنا سيدافع عنه حتما
من المعتدين عليه، يدأ يرنو بطرفه إلى حركة الشارع، وقد افترش بملاءته الوسخة،
التي أعطته أمه قبل أن تموت، وفي أحدى أطراف الملاءة عقدة، لا أحد يعلم ما في هذه
العقدة، بدأ يراقب حركة السير التي بدأت تخف، والعربات التي تمشي بسرعة مريبة إلى
مخبئها الورشة أو إلى البيوت، هكذا خيل إليه، كان يسمع طول اليوم همسات حول حالة استنفار
وترقب لتجدد الحروب الأهلية في المدينة، وأن جحافل القبيلة المنهزمة في المعركة الأخيرة
على مشارف المدينة، تنوي الكرة للإنتقام، وتولي سيطرة المدينة، كانت تقع هذه
الأخبار على مسامعه منذ الصباح، لكنه لشدة الجوع الذي كان يحس به لم يكن يلقي لها
بالا، بيد أنه يفكر الآن ما ذا يفعل إذا نشبت المعركة واستطاعت القبيلة لتحويل
المعركة إلى قلب المدينة فأين يجد المخبأ، تملكته موجة من الخوف، كادت أن تدفعه
إلى البكاء، لكن صوت خفيت طار إلى مسعه أشغله عن البكاء، نظر إلى مصدر الصوت فلم
ير شيئا، فنهض قائما وهرب فزعا مذعورا، لا يلوي على شيئ، اعتقد أن ذلك هو المجنون
"غرد" الذي لا يؤمن شره، للعداوة الماثلة بينه وبين أولاد الشوارع، حيث
إنهم يرمونه بالجحارة، وهو بدوره يطارهم ويشج من وقع بيده منهم، وإذا صادف أحدا
منهم في طريق أشبعه بالضرب، وهذا كان تهديدا صارخا بالنسبة إليهم حيث إنهم يقضون
ليلتهم وينامون أينما اتفق، مما يجعلهم عرضة للمخاطر وخاصة المجنون
"غرد" وكثيرا ما كان يسمع أحدهم وهو يصرخ في نومه يهذي بكلمات مفادها
طلب الإنقاذ من المجنون، كأنه يقتله، وذات ليلة حلم صالح الصغير، بهذا المجنون وهو
يأخذه إلى شاطئ ليدو، ويقطع أعضاءه بالفأس إربا إربا ثم يرميه إلى البحر، فاستيقظ
وهو يصرخ بأعلى صوته، وكانت بسبب هذه الرؤيا تتراى له بعد ذلك في يقطته أشباح، وفي
نومه كوابيس، كان هكذا لمدة من الزمن حتى أذهبه الله عن ذلك، فهكذا حياة هذا الطفل
يبيت في أي مكان في المصطبات، تحت الأشجار، في جنب البيوت تحت النوافذ، يقرصه
البرد ولا يجد دفئا، ويقتله القيظ إبان الحر، وفي النهار
بداية الضياع:
صالح في الثامنة من عمره طفل أسمر. هذا هو
لونه الأصلى، لكن بحكم أن الدهر نشب فيه مخالبه، وأنه فقد رعاية الأبوية والأمومة،
زالت وسامته وسمرته الجميلة، إضافة إلى أنه لا يستحم ولا ينظف جسده، فتراكمت
الأوساخ عليه، وقرصته الشمس بأشعتها الحارقة لأنها تطلع عليه وهو يمشي وتغرب وهو
لا يزال في رحلته الشاقة التي ابتدأها منذ الصباح الباكر، إلى أن يبدأ يومه
الثاني، فهذا هو عمله الروتيني، فأصبح لونه أسودا، صاحب جسم نحيف وطويل القامة،
كان إذا خلع قميصه المتسخ رأى تحت ثديه اليسرى علامة بارزة، تشبه الشامة، يتذكر
أنه سأل أمه عن هذه العلامة، قفالت إن جدته من حهة الأب وشمته بهذا الوشم، لئلا
يضيع ولا يسرق، نظر إلى العلامة وهو يبتسم" من يسرقني أنا؟ ثم سأل أين جدته
الأن؟ ماتت إنها ماتت. وأبي؟ مات. وأعمامي؟ ماتوا. ثم بكت أمه بكاء شديدا وفزع هو
من هذا البكاء، وتمنى لو أن عينيه تساعدانه على البكاء؛ ليظهر لأمه أسفه وخزنه،
لكن كان من النوع الذي يتألم من القلب، ولا تظهر آثار ذلك على عينيه إلا إذا خلا، ففي
العزلة تجود العيون بالدموع الغزار، بدأت أمه تحكي له عن والده بإسهاب شديد،
وحكايات قد تكون أكبر من رأسه لكنه حاول أن يطأطأ رأسه ليجاملها، كان هذا آخر مرة
حدثته أمه عن شأن عائلته وحدثته بأمور تشوبه الغموض، ولكنها غيرت الإستراتيجية فلا
يسألها بعد ذلك إلا ويظهر منها التضايق وترفض الإجابة بشتى الحيل، وكانت إمرأة
فقيرة لا عائلة لها، فعند الصباح وقبل أن ينبلج الصبح تسرع إلى البيوت للبحث عن
ملا بس للغسل، أو تنظيف البيوت وجمع القمامات والأوساخ، إلى المزابل، كان يستغرق
عملها هذا طول اليوم وهي تمسك ابنها بيدها في جميع جولاتها، فهو تدرب على المشي
منذ ذلك الوقت، وكانت تجد هي وولدها الطعام من قبل الأسرة التي تخدمها، وبعد
الغروب تتوجه هي وابنها إلى كوخها الذي يقع في ضاحية المدينة، وقد تعرضت كثيرا
لعملية اغتصاب، كانت أعنفها تلك التي تناوب فيها عناصر كثيرون، كانو مسلحين، بعضهم
بالبنادق والبعض الآخر بالخناجر والسكاكين، يتعرضون للمارة لنهب ما بحوزتهم من
الأموال، ولما تصادفت هذه المرأة مع هؤلاء اللصوص في مكان يخيم عليه سكون وهدوء مع
ظلام دامس كانت ليلة معتمة اقترح احد الشبان فكرة التخلى عن هذه المرأة لأنها
شغالة في البيوت وفقيرة ليس معها شيء..
قاطعه رجل آخر بصوت مبحوح "معها شئ
يستحق التقدير ألا ترى هذا الجسم الناعم المثير" فتهافت عليها أنظار القوم، ثيابها
الممزقة الذي لا يكاد يستر أجزاء مهمة من أعضائها، فبدأت عملية الغصب بينما أخذ
الولد بعيدا لإشغاله عن هذا المنظر لكنه مع صغره فطن للأمر لما سمع توسلات أمه
وبكاءها المدوي، فبعد هذه الحادثة لم تعد عائشة قادرة على العمل، أصبحت طريحة
الفراش، والولد يتضوع جوعا، وهي تئن من المرض، عندها خرج صالح مندفعا، فبدأ يتسول
ويتكفف، ويطرق الأبواب للبيوت، يخبر الناس بخطبه وما دها والدته من المرض، فيوضع
على يديه بعض القروش فيشتري طعاما له ولأمه، وذات يوم اشترى طعاما ودفع الثمن
مقدما لكن صاحب المطعم طلب دفع الثمن اغتقادا منه بأن الولد لم يدفع وأنه يحاول
الخيانة، فلما احتج صالح بصوته الضعيف، أصر الرجل على رأيه، لولا أن أحد المحسنين
ممن كان قريبا منهما دفع الثمن مرة ثانية، وفي طريقه إلى والدته اعترض عليه في
الطريق "نانا" مراهق أكبر منه سنا ومشاكس معروف فأخذ منه مامعه من
الطعام وأكله بين يديه، فبكى ذلك اليوم بكاء شديدا، حتى إن أمه أشفقت عليه من كثرة
البكاء، كان يبكي لمدة ثلاث ساعات، وهدأته وأعطته بعد انتهاء نوبة البكاء الطولة
توجيهات ونصائح، وناولته ملاءة قد لفت في طرفه أوراقا وصورا فوتوغرافيا ثم
شدته بحبل، وقالت: هذه هدية وأمانة أيضا وقد ترشدك فلا تهملها يا ولدي فلم تلبث عائشة
أن بدأت تتقلب على الفراش وتصدر أصواتا مكتومة من كثرة الألم، وبعد قليل كانت تحتضر
وتغرغر، م فاضت روحها إلى الله فنظر الولد مدعورا إلى عيونها الشاخصة، وقد ازداد
خفقان قلبه، وعجز حتى عن النطق باسمها ومناداتها هكذا ماتت والدته، وقبرت في صباح
تلك الليلة.
المرأة الملعونة:
ذات يوم في وقت الأصيل وقبل الغروب، والسماء
غائم تندر بنزول المطر، كان صالح يجول في الشارع الآرغو وقد ملأ بطنه بفضلات
الطعام مع زعيمه، يبجث عن مكان يلتجأ إليه للوقاية من المطر، فاستهواه بريق أخاذ
يخرج من مقهى صغير، بجنب الشارع، فنظر إلى مكان الضوء فرأى آلة، ورأى في هذه الآلة
الصغير أشخاصا يتحركون ويتخاطبون، وأحيانا يتصارعون، ويبدو أن هذه أول مرة يرى فيها
التلفزيون، فوقف بسذاجة متكأ على رجله اليسرى، ممسكا بيده خاصرته اللطيفة، يحدق
نظره في شاشة التلفزيون، ولم يتنبه إلا بصيحة مدوية في أذنه، فأخذته الرعد من
قلبه، وفزع إلى حد أعجزته عن الهروب، فإذا امرأة تطلق ضحكات بصفة غريبة من خلفه،
ربما كان قصدها ترويع هذا الطفل، لكنه اعتقد في قرارة نفسه، أن هذه المرأة ليست
إلا "عاش والي" تلك المجنونة التي يحدث عنها الزعيم كثيرا، فوقع مغشيا
عليه، وبقي في غيبوبة لمدة نصف ساعة، ولم يصح إلا والمرأة واقفة بين يديه مع جمع
غفير من البشر تخبرهم عما حدث، فولى هاربا ، فازدادت فيه نسبة الخوف، وأصابته نوبة
اكتئاب، وكان لا يمشي في الطريق إلا وهو يلتفت يمنة ويسرة، حتى لا تباغته المرأة
المجنونة، أو الرجل المجنون، وهو يقول في نفسه: فليذهب الجميع إلى الجحيم لا خير
فيهم، كلهم مجانين، هكذا أظن.
التقى في اليوم التالي مع الزعيم، وتردد
كثيرا بين إفضاء هذا الخبر إليه أو الترك، ثم عزم أخيرا فحدثه بحادثة البارحة،
يقلب كفيه عند الشرح وهذه كانت عادته، وهذا ما كان يجذب الزعيم إليه، كان يحب هذه
العادة، ويرى فيها قوة ورجولة، فلما أتم حديثه ضحك عليه الزعيم، وقال: إن "عاش
والي" غير موجودة في المدينة، هي في سفر مع أختها إلى الريف.
لكني رأيتها البارحة.
المرأة التي رأيتها ليست إلا مرأة لعوبة،
كانت فقط تريد المداعبة أو الترويع. ثم أفاض في تقرير هذا الرأي مما أدخل السرور
والسكون معا في قلب صالح، وشعر بأن الإكتئاب قد زال منه.
عملية غريبة من نوعها:
اصطحب مع الزعيم وصديقه الآخر نونو إلى سوق
الخضروات، في وقت المساء، في حين يستعد الباعة الذين هم من النساء العجائز لنقل
بضائعهن إلى المخازن، والرواح إلى البيوت،وقلت الحركة، فوقف الزعيم يمرر إصبعه
رزمة من الموز يسأل البائعة عن القيمة ثم غمز لهم، فبدأت عملية الخطف، والفرار،
فصاحت المرأة، وطاردهم بعض الناس لكن دون جدوى، فنجحت العملية، واجتمعوا يتصاحكون
بعيدا عن مكان العملية، ويلتهمون الموز، إلتهاما يدل على ما بهم من الجوع الشديد، كانت
تساوره في البدايه قبل تنفيذ الخطة قلق شديد، وكان يبدو أنه غير مرتاح لكنه لم يكن
يمانع دائما فيما يقترحه الزعيم فهو رب نعمته، وهو الذي أنقذه من مخالب المعتدين
من أولاد الشوارع، لكنه الآن مندهش مدى ضعف العجائز والفتيات، وكيف يسهل التفلت من
أيديهن، لا شك في ذلك، قال ذلك في قرارة نفسه، بينما هو في زخمة الأفكار عن هذه
الحادثة، فاجأه السؤال من قبل الزعيم عن سبب شروده.
لم أكن أظن أن الأمر سهل إلى هذا الحد
أي أمر تتحدث عنه؟ تعني عملية الخطف التي
تمت بنجاح؟ هؤلاء العجائز في غاية الضعف، ليس لهن القدرة على القبض عليك إذا كنت
تجيد الهروب.
هههها يا صديقي صالح نحن قمنا بهذه التجربة
أكثر من مرة، واشتركت مع الزعيم وغيره فلم نقع في خطر ولا مرة واحدة.
وسنعاود الكرة، فإنا اكتشفنا مصدرا
للإقتيات أليس كذلك يا أصحابي؟
"الزعيم"هه سنفعل كل شئ لنعيش،
نكافح من أجل البقاء، هذه هي الحياة.
ابتسم صالح وقد ارتسمت على محياه تعابير
الرضى عن مغامرته التي نجحت، يبدو أن لعبة المخاطرة مثيرة وجميلة في نفس الوقت،
فكر في نفسه أن يقوم بعمليات مشابهة لهذه ثم طأطأ رأسه وفرش ملاءته على الأرض يتحسس
بيده الأمانة التي خبأتها والدته في شرشفه لكنه لم يخطر في باله أن ينظر ماهية هذه
الأمانة، وأن يعرض على زملائه ليقرأوا له طالما أنه لا يجيد القراءة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق