أولا أنا أحذر من قراءة الفلسقة بمعزل عن
الدين، فإنها قد توقعكم في هوة لا يرجى النجاة منها، ثم إن قضية العقل والنقل وهي
التي يجعلها العقلانيون تكأة لهم في كثير من مذاهبهم والجواب عن الأدلة الشرعية
صحيحة الثبوت قطعية الدلالة بأنها لا تتوافق مع العقل، ويعتقدون مرجعية العقل،
وإبقائه كمعيار حتى في الحكم على الأدلة، فماكان من الأدلة لا تتوافق مع عقولهم
تكون مرفوضة، وبهذا نهدم الدين فإن عقول البشر متفاوتة وكون الشئ معلوما بالعقل نسبية، فما يعلمه أحمد قد لا يعلمه زيد،
وما يقبله عقل فلان قد يرفضه عقل علان، فبهذا تتأرجج الدين في لاشئ، ونساهم في هدم
الدين ربما من غير شعور، ونفتح الباب لمن يريد الإنحلال عن الدين والتمرد عليها
بتبرير أن العقل يرفضها، فقد ثبت في القرآن مرجعية الكتاب والسنة"فإن تنازعتم
في شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول" والقضايا التي يقولون إن النقل تعارض مع العقل
لا يتفق على ذلك جميع العقلاء بل اضطربت آراؤهم في ذلك فما تراه مناقضا للعقل أنا
لا أراه كذلك والسبب ببساطة تفاوت العقلين أعني عقلك وعقلي، ومن يفرض علينا باتباع
العقل وجعله مرجعية وحكما على النقل، نقول له أي عقل تعني عقل زيد أم عقل رشيد أم
ما ذا؟ فما يراه البعض ضرورة عقلية ينازعهم في ذلك آخرون. ومن تجرد عن الهوى ونظر إلى
كلامنا بعين الإنصاف علم ذلك، والأحاديث التي وردت في تفضيل العقل وتقديسه كلها
كذب كحديث" لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال
ما خلقت خلقا أكرم علي منك بك آخذ وبك أعطي" وغيره قال بن القيم في المنار
المنيف: أحاديث العقل كلها كذب ونقل عن أبي الفتح الأزدي قوله:" لا يصح في
العقل حديث قاله أبو جعفر العقيلي وأبوحاتم بن حبان". وفي هذا كله لا نقلل
أهمية العقل فالله أمرنا بالتفكير وأثنى على من يعقل ووجه كلامه إلى أولى الألباب
باعتبار أنهم هم الذين ينتفعون به لكننا نقول إن العقل وسيلة للعلم بالنقل وليس
أصل في إثبات النقل، كما يقول به من يرفض النقل بمجرد تعارضه مع عقله، فليس من طرق
ثبوت النقل موافقته لعقل كل شخص من العقلاء، فمثلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
جاء بالهدى والنور فآمن من آمن به بعقله وجحده من جحده استكبارا أو على ما أدى
إليه عقله بعدم صحة ما يدعو إليه، ولا زال الآن مئات من العقلاء يكذبون النبي صلى
الله عليه وسلم ولهم عقول هل هذا طعن في النبي صلى الله عليه وسلم وفي صحة دعواه
وثبوت نبوته؟!، فسواء كذبه الجميع بعقولهم أم صدقوه فإن نبوته صحيحة لا عيب فيها
وإنما العيب في العقول، فخلاصة الكلام ألا نجعل العقل أساسا والنقل تبعا له. قال
أبو المظفر السمعاني في الإنتصار لأصحاب الحديث:" واعلم أن فصل ما بيننا وبين
المبتدعة هو مسألة العقل.فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الإتباع والمأثور
تبعا للمعقول. وأما أهل السنة قالوا:الأصل في الدين الإتباع، والعقول تبع، ولوكان
أساس الدين على المعقول، لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم،
ولبطل معنى الأمر والنهي ولقال من شاء ما شاء...."وقال وكذلك ردو الخبر الذي
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الموت يذبح على الصراط؛ لأن الموت عرض لا
يتفرد بنفسه فهذا أصلهم الثاني الذي أدى إلى رد الأخبار الثابتة عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم ومثل هذا كثير يأتي بيانه. ولهذا قال بعض السلف إن أهل الكلام
أعداء الدين لأن اعتمادهم على حدسهم وظنونهم وما يؤدي إليه نظرهم وفكرهمثم يعرضون
عليه الأحاديث فما وافقه قبلوه وما خالفه ردوه على ما سبق بيانه وأما أهل السنة
سلمهم الله فإنهم يتمسكون بما نطق به الكتاب ووردت به السنة وبحتجون له بالحجج
الواضحة والدلائل الصحيحة على حسسب ما أذن به الشرع وورد به السمع ولا يدخلون
بآرائهم في صفات الله تعالى ولا في غيرها من أمور الدين وعلى هذا وجدوا سلفهم
وأئمتهم..." ولا يسوغ لأحد أن يحتج علينا بالقياس والإجتهاد الذي عمل عليه
الأئمة لأن محل ذلك عند خلو نص في المسألة وأما مع ورود نص في المسألة فلا اجتهاد
ولا القياس لذلك يقولون" لا اجتهاد مع النص" والقياس له أربعة أركان:
الأصل، الحكم، الفرع، العلة ومن عرف معنى هذه الأركان من كتب الأصول لا يدرج
القياس في كلامنا.
#لحظة صراحة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق