أدب المجالسة1:






تمهيد:
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد:فلما كان الإنسان كائنا إجتماعيا، شديد الميل بطبيعته المجبولة فيه إلى الإحتكاك ومخالطة سائر البشر- وهذا في الغالب ولا حكم للنادر- وبما أن الشريعة لم تدع شئيا مما يخص البشر في الحركات والسكنات وفي كل اللحظات، إلا وقد تولت توجيهه إلى ما فيه السعادة، ويبعده عن الشقاوة، حتى جعلت له في جميع الأحايين آدابا يجب عليه مراعاتها والحفاظ عليها، فما كانت هذه الشريعة لتذر هذا الكائن الإجتماعي في معاملته مع غيره طليقا من العنان، بل وضعت حدودا وآدابا، لا يجوز له أن يتخطاها، أو أن يهملها، فإن فعل ذلك، فستكون عاقبة جريرته تؤثر عليه سلبا، ومن الجوانب التي اهتمت الشريعة الإسلامية لتوضيخ آدابها المجالسة.
-إختيار الجليس الصالح:
أولى هذه الآداب التي نود أن نلفت النظر إليها قبل كل شئ هو اختيار الجليس الصالح، فلا يجالس الفاسق والكافر والمبتدع فإن المرء على دين خليله، وهو مفتون بالتقليد لجليسه وسيما بعد الإعجاب به، ولا يؤمن أن يتسرب إليه هذه الأدواء، فكما يهتم لصحة جسمه فلا يجالس المصاب بالجذام مخافة العدوى، فإنه كذلك يتحتم عليه أن يهتم بصحة روحه ونفسه من أدران المعصية ومن الأخلاق السيئة، والصوماليون يقولون"إنك تتعجب من جارك في بادئ الأمر ثم بعد مرور الأيام تقلده وتحاكيه، ثم تسبقه"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:" الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" ([1]) ومن هنا اهتمت الشريعة الإسلامية هذا الجانب، وأرشدت المسلم إلى مجالسة ومصاحبة من يستفيد منه في دنياه ويجتنب مصاحبة ومجالسة الكافر.
  ومظنة الإستفادة الإيمان والكبر والعلم والعقل فمن تحلى بهذه الصفات أو واحدا منها يستحسن مجالسته، فالكبير يستفاد من تجاربه التي مرت عليه في معترك الجياة وحصيلة السنين التي قضاها في خضم الدنيا، والدروس التي استقاها من الحوادث التي شاهدها أو سمعها، هذا إذ لم يقم عليه مانع، ومجالسة العالم يستفاد منه في العلم والمعرفة ويتتلمذ عليه ويقطف من ثمار حصيلته العلمية، والعاقل يرشدك ويوجهك بعقله، كما أن عقلك يتلاقح مع عقله وينمو نماء مذهلا.
 ومما ورد في هذا الصدد قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة"([2]).
قال الإمام النووي:" وفيه فضيلة مجالسةالصالحين وأهل الخير والبركة والمروءة ومكارم الأخلاق والورع والعلم والأدب، والنهي عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع ومن يغتاب الناس أو يكثر فجره وبطالته ونحو ذلك من ألأنواع المذمومة"([3])
وقال النبي صلى الله عليه وسلم :"لا تصاحب إلا مؤمنا"([4]).
وقال تعالى:( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) قال القرطبي:"الصحيح في معنى الأية أنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإن صحبتهم كفر أو معصية".
ويجب الإجتباب عن المجلس الذي ينال فيه من الإسلام ويساء إليه فيه  قال تعالى:( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره)([5]).
وأما مجالسة أهل البدع فقد ورد عن السلف النهي عن مجالستهم والآثار في ذلك كثيرة منها:
عن إبراهيم:"لا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم" ([6])
وعن أبي قلابة:" لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالهم ويلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون"([7])
وعن الحسن:" لا تجالس صاحب هوى فيقذف في قلبك ما تتبعه عليه فتهلك، أو تخالفه فيمرض قلبك"([8])
قال الشاطبي" ووجه ذلك ظاهر منبه عليه في كلام أبي قلابة، إذ قد يكون المرء على يقين من أمر من أمور السنة، فيلقي له صاحب الهوى فيه هوى مما يحتمله اللفظ لا أصل له، أو يزيد له فيه قيدا من رأيه فيقبله قلبه فإذا رجع إلى ما كان يعرفه وجده مظلما، فإما أن يشعر به فيرده بالعلم، أو لا يقدر على رده، وإما أن لا يشعر به فيمضي مع من أهلك".
وكان أكثر السلف يكرهون الجدل مع أهل البدع والمخاصمة معهم شفقة وخوفا من إيصال شبهاتهم إلى القلوب، والتحقيق والله أعلم أن المتمكن من العلوم الذي له مقدرة للرد عليهم وإلجامهم وإظهار زيفهم أن يناظرهم إذا طمع فيهم واعتقد أن فيها إحقاق للحق وإبطال للباطل مع الإلتزام بأدب المناظرة التي قد نتحدث عنها في مقام آخر سيما في هذا العصر عصر الفضائيات والمعلوماتية، ووسائل الإعلام متوفرة، فلو تركنا المناظرة معهم والرد عليهم لألقوا الشبهات عبر هذه الوسائل ووسوسوا فلا بد من الرد عليهم والجلوس معهم للمناظرة لكن للمتمكن والقادر على ذلك فقط، وكذلك عن الفاسق وصاحب المعصية لا يجوز مجالسته حال ارتكابه للمعصية كالمغتاب مثلا لكن يجب نصحه والذهاب إليه للنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما بايع جرير رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بايعني رسول الله على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم، فإن أقلع عن ذلك وإلا فإن رأيت أن هجرانه ومقاطته فيه فائدة وأن مخالطته شر لك يجب عليك هجرانه وعدم مخالطته والله أعلم  قال الإمام بن عبد البر" أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث لمن كانت مكالمته تجلب نقصا على المخاطب في دينه، أو مضرة تحصل عليه في نفسه أو دنياه فرب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية" وأقوال العلماء في هذا كثيرة وإنما أردنا الإختصار. فإن اغتاب شخص آخر في مجلسك يجب عليك الذب عن عرض أخيك فإن لم تستطع فعليك مغادرة المجلس لتنجو بنفسك من إثم وشر هذه الغيبة وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"من ذب عن عرض أخيه بالغيبة، كان حقا على الله أن يعتقه من النار"([9])


[1] -رواه الإمام أبو داود في كتاب الأدب من سننه، باب من يؤمر أن يجالس، عن أبي هريرة رضي الله عنه تحت رقم (4833)، (4/ 261)، والإمام الترمذي في كتاب الزهد من سننه، برقم (2378)، (4/ 509)، والإمام أحمد في المسند (2/ 303، 334)، والحاكم في المستدرك (4/ 171)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (2/ 431، 432)، والإمام أبو نعيم في الحلية (3/ 165)، وقد حسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة تحت رقم (927)، (2/ 633).
[2]-(البخاري ومسلم).
[3] -شرح صحيح مسلم كتاب البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين واجتناب قرناء السوء رقم الحديث(
[4] - أخرجه أبوداود باب من يؤمر أن يجالس(4832)والترمذي كتاب الزهد باب ما جاء في صحبة المؤمن(2395) والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع في صحيح الجامع(7341).
[5] -(النساء 140)
[6] -رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص56)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (2/ 439)، وأبو نعيم في الحلية (4/ 222).
[7] -رواه الإمام الدارمي في المقدمة من سننه، باب اجتناب أهل الأهواء (1/ 120)، والإمام الآجري في الشريعة (ص56)، والإمام البيهقي في الاعتقاد والهداية (ص158)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (1/ 134)، والإمام ابن سعد في الطبقات (7/ 184)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص55) والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (2/ 435، 437)، وذكره البغوي في شرح السنة (1/ 227)، وعبد الله بن أحمد في السنة (1/ 137).
[8] - رواه عنه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب النهي عن الجلوس مع أهل البدع(ص57).
[9] - رواه أحمد في مسنده(27609) والطبراني في الكبير(24\443)وغيرهما وقال الهيثمي إسناده حسن وضعفه شعيب الأرناؤط في تخريجه لمسند أحمد وقال فيه عبيد الله بن أبي زياد وهو القداح وشهر بن حوشب وبقية رجاله ثقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كافة الحقوق محفوظة 2012 © site.com مدونة إسم المدونة