طفولة مغتصبة(جريمة التجنيد)!:




الطفولة مرحلة من مراحل الحياة للكائن البشري، وهي لذة الحياة وزهرتها الربيعية، ولؤلؤتها الثمينة وأيقونة تشهد على بقاء النسل البشري ونمائه على ظهر الأرض، والمحروم من الأطفال يبحث عنهم بشق الأنفس وبكل شغف، وربما تَقَطَعَ قلبه أسفا على ذلك، وتمتاز الطفولة بالبراءة والعفوية والسذاجة والصراحة، ما يجعل لها نكهة خاصة، ترشحها للتربع في عروش القلوب، حتى تأخذ بمجامعه، وتأسر ألباء الكبار وتجبرهم بالشفقة عليها، فكل ذي فطرة سليمة يطأطأ رأسه احتراما ومراعاة لحقوق الطفولة، لكنها تعاني من الخواء من معلومات مسبقة، وخبرات محفوظة، مع السذاجة وعدم نضوج العقل، ما يخلق لديها قابلية واستعداد لتلقي أي معلومة بغض النظر عن الصحة والخطأ، فالطفل لا يمتلك ميزة التمحيص والتمييز بين الصواب والخطأ، ومن خصائص الطفولة شدة التقليد والمحاكاة، فالطفولة صفحة بيضاء ناصعة يتحكم الكاتب بكتابة الكلمات فيها، فهي تستقبل بكل حفاوة لكل جديد مسطور، وهذا الأمر يؤكد المسؤلية الواقعة على عواتق أولياء الأمور في مراعاة الطفولة ورعايتها وإيلاء الإهتمام بها وإيداع الأطفال في حواضن تربوية موثوقة حتى لا يتعرضوا لاستغلالهم في قضايا خاطئة وشحنهم بالكراهية إزاء المجتمع  والحقن الإيدلوجي، حتى لا يكونوا معاول هدم يشكلون تهديدا صارخا للسلام، كما يجب بذل قصارى الجهود في حفاظ الطفولة من الإنتهاكات من أي طرف كائنا من يكون؛ لأنهم ضعفاء وغير قادرين على حماية أنفسهم "ولأن الأحداث التي تقع في الطفولة ستؤثر على الفرد عندما يكبر ومن ثم على المجتمع برمته" "فالأطفال يختلفون عن الكبار في تأثرهم بنفس الإنتهاكات"([1]) فمن المشين المساس بالطفولة بما يؤثر عليها سلبا، وإلقاء هذه الفراشات دوات الأريج الأخاذ في نيران الحروب المتوهجة جريمة وقضية إنسانية، ومن الأمور المجربة أن الفرد الذي عاش طفولة بائسة وتعرض لانتهاكات واعتداءات في طفولته يبقى تأثير ذلك الحدث سلبا عليه حتى بعد الكبر وربما لا يفارقه إلا إذا فارق الروح البدن، وتجعل صاحبها مرشحا وعرضة لأن يكون تهديدا صارخا للمجتمع بعد الكبر.
وأقرب نموذج ومثال نضربه لذلك هو دومينيك أونغوين الذي تم خطفه من قبل جماعة جيش الرب التي تقاتل في اوغندا وهو في سن العاشرة، وقد تلقى فيهم التدريب العسكري وشارك معهم في العمليات، وارتقى في صفوف الجماعة، حتى أصبح محل ثقة القائد للجماعة جوزيف كوني، وربيبه، فأصبح رجلا دمويا وحشيا تقليدا لقائده، وتلطخت أياديه بمختلف الجرائم من قتل واغتصاب وإبادة وتهجير، واستعباد جنسي، حتى سلم نفسه أخيرا إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي في عام 2015م.

وفي حالات النزاع المسلح، وفي الأماكن التي تندلع فيها الحروب، يفقد الأطفال حقوق توفير بئية تعليمية والحصول على رعاية صحية، كما يتعرضون للتشرد والتشظي والنزوح، وأسوأ من ذلك أنهم يصبحون ضحية لاعتداءات جنسية، وتوظيف إجباري، والتجنيد القسري وزجهم في المعارك، من قبل جماعات مسلحة، وهذا ما يعتبر جريمة كما نص عليه قانون الأمم المتحدة.
 فالتجنيد القسري آخذ في التزايد في أرجاء المعمورة، فحسب احصائيات منظمة حقوق الأطفال يونسيف هناك أكثر من ربع مليون طفل مجند على مستوى العالم، وفي موقع الأمم المتحدة ذكرت أنه يوجد مئات الآلاف من الأطفال المستخدمين بوصفهم جنودا في النزاعات المسلحة حول العالم، وكثير من الأطفال مختطفون وقد تعرضوا للضرب لإخضاعهم فيما ينضم آخرون إلى الجماعات المسلحة فرار من الفقر من أجل حماية مجتمعاتهم، أو انطلاقا من شعور برغبة الإنتقام، وذكرت أن تجنيد الأطفال أمر محظور بموجب القانون الدولي الإنساني، وطبقا للمعاهدات والأعراف([2]).
وذكرت المنظمة أنه في جميع أنحاء العالم يتم تجنيد آلاف الفتيان والفتيات في القوات المسلحة الحكومية والجماعات المتمردة للعمل كمقاتلين وطهاة وحمالين وسعاة أو أعمال أخرى كما يتم تجنيد الفتيات لأغراض جنسية أو للزواج القسري([3]).
وفي الصومال في غضون الصراعات المسلحة، التي اكتوى بنيرانها البلد، والتي أقحمت الوطن في أتون حروب طاحنة اندلعت بعد الإطاحة بالحكومة المركزية الإستبدادية، كان التجنيد سمة من سمات ملامح هذه الفترة، حيث أن كل طرف من فصائل الصراع كان قد أكب على تجنيد الأطفال، وتدريبهم عسكريا، فقد ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أن نحو 200 ألف طفل صومالي(حوالي5%من أطفال الصومال) قد حملوا السلاح وشاركوا في الحروب([4]).
وفي فترة زعماء الحروب الأهلية في الصومال الذين ذاقوا الشعب الصومالي ويلات الحروب، وجرعوهم كؤس المحن، وكانت الحروب العبثية والمعارك القبيلية التي حصدت أرواح المئات من الشعب سيدة المشهد، كان التجنيد للأطفال بارز للعيان، وكانت الصورة القاتمة التي تُرْسم في أذهان الأطفال أن المشارك في هذه الحروب الذي يبلي فيها بلاء حسنا ويظهر شجاعته المذهلة، يحظى بالبطولة والإعتزاز والفخر، ويحتل مكانة مرموقة لدى الفتيات اللأتي يرغبن بالزواج، ولدى الجميع بشكل عام، كان الإسم اللامع في هذه الفترة هو اسم ذلك المقاتل شاكي السلاح الذي أظهر إتقانه فن الحرب وجرأته في المعركة مع القبيلة الفلانية، ومما أذكره أن مجموعة من الأطفال تسمى كل منهم باسم زعيم حرب، مما ينم عن إعجاب ارتسم بشكل عفوي في ضمير هؤلاء الأطفال بسبب إفرازات البيئة غير النقية.
وتعتبر الحركات والتيارات الجهادية من أكثر الضالعين في تجنيد الأطفال واستغلالهم، كموارد بشرية بعد إخضاعهم لعمليات شحن أذمغتهم بأيدلوجيات تحمل ملامح التشدد، والغرس فيهم بنزعات دموية، وميولات لتصفية المخالف، وإبادته وتطهيره وسحقه من على وجه الأرض، فيتدرب الأطفال على عمليات حز الرءؤس للأسرى، كجزء من التدريب العسكري حتى يترعرع الطفل وهو في منتهى الوحشية.
وتشار إلى حركة الشباب في الصومال أصابع الأتهام بأنها تجند الأطفال وتستخدمهم في عمليات عسكرية وانتحارية تستهدف مؤسسات الحكومة، ومجمعات سكنية، والأندية والمنتجعات والفنادق، وقد تجلى هذا الأمر بوضوح في الحرب الأخيرة التي شنتها الحركة على مناطق ولاية بونت لاند حيث أن أغلب العناصر الذين تم القبض عليهم بعد الهزيمة النكراء التي لحقت في صفوفهم كانوا أطفالا في سن المراهقة، ما أماط اللثام عن حجم تجنيد الأطفال في صفوف الحركة.
وتحمل هذه الحرب دلالات مخيفة، حيث أن الحركة التي عرفت بقوة استراتيجيتها ودقة مخططاتها تبعث هذه العناصر التي يشكل الأطفال أغلبيتها الساحقة إلى منطقة نائية نوعاما من مناطق نفوذها، مع عدم وجود حاضتة وبيئة ملائمة خصبة بإزاء قوة لا يستهان بها كل هذا أثار تساؤلات وتشكيكات حول غرض الحركة في هذه الحرب، ويرى بعض المحللين أن الحركة تتلقى ضربات جوية من قبل الطائرات دون طيار التابعة للولايات المتحدة التي تضيق الخناق على الحركة وتسنهدف عناصرها ورموزها، ويُتتوقع ازدياد وتيرة الهجمات الجوية في قابل الأيام، ما جعلها تبحث عن ملجأ ومخبأ ومكان استراتيجي ملائم، وبما أن التجربة الأفغانية لتنظيم القاعدة ورموزها مع أمريكا أثبتت أن المناطق الجبلية هي أفضل الأماكن للتستر من الغارات الجوية، إضافة إلى أحداث غلغلتو مع اعتقاد وانطباع بأن ولاية بونت لاند هشة عسكريا كل هذا متراكما أدى إلى إرسال هذه العناصر ليمثلوا حقل تجربة، ولمعرفة ما إذا كان المكان الذي وقع عليه الإختيار ملائم.
والأجدر بحكومتي ولاية بونت لاند وولاية غلمذغ -اللتان استطاعتا بفضل قواتهما العسكرية- الحد من نشاطات الحركة والقبض على هؤلاء الأطفال ألا يودعوهم في سجون وألا يخضعوهم لعمليات التعذيب، ولا مساءلة قضائية، لأنهم قاصرون وأطفال، فيجب مراعاة هذه الطفولة وإعادة تربيتها وتكوينها عبر برامج علمية تربوية صحيحة ودعم مشاريع خيرية لتنظيم دورات يشترك فيها كبار العلماء لمناصحتهم وتغذية عقولهم بالعلوم الصحيحة وتصفية أذمغتهم مما تم برمجته فيها مسبقا، وبقائهم قيد الإحتجاز أو المراقبة بالتعبير الصحيح، حتى يتم إفراغ ما في جعبتهم من الأفكار الهدامة، والميولات الدموية، ويجب بذل الجهود بإعادة دمجهم في المجتمع، فالولايتان الآن في مفترق الطريق للبرهنة على مدى جديتهم في الحفاظ على حقوق الإنسان وخاصة الأطفال، وتنقية ملفهم الحقوقي.


[1] -دليل الأمم المتحدة الفصل الثاني عشر-حقوق الأطفال.
[2] -https:\\children andarmedconflict.un.org
[3] -www.unicef.org\
[4] -موقع الإتحاد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كافة الحقوق محفوظة 2012 © site.com مدونة إسم المدونة