أنات مواطن كئيب:2



بعد الحادث الجلل، وقعت في أحابيل خيبة الأمل، وصرت كطائر مقصوص الجناحين، أو كطريدة افترسها صياد محنك، فقد خضت في بحار لا ساحل لها من الأحزان تتقاذفني  فيها الأمواج المتلاطمة العاتية، وانهارت معنوياتي، فجدران المدينة وشوارعها وروابيها وكل ما يمت بصلة إليها تحمل بصمات لذكرياتي مع عائلتي المفقودة، ما يحز في ضميري ويفتق في جرحي، فحزمت أمتعتي وغادرت المدينة التي قضيت فيها طفولتي، واستضافت أحلى ذكريات حياتي، لكنها أصبحت جراء الحروب مدينة الأشباح والأطلال، ووكر المنايا، وبؤرة الرعب والفزع، حمام الدم يٌحَلِقٌ علي سماءها الزرقاء، فركبت السيارة في اتجاه كينيا البلد المجاور، لكن في طريقنا صادفتنا معضلة أخرى لم نضعها في الحسبان، اعترض في طريقنا مسلحون من مليشيات بعض القبائل الصومالية فاختطفوا ركاب السيارة بأسرهم، وتوارينا عن أنظار الناس تحت حراسة مشددة من قبل المليشيات يصاحبها تعذيب وإذلال مقصود، ولم يفصحوا لنا عن مغزى اختطافهم لنا، إلا بعد يوم فطلبوا الإتصال بعائلاتنا لدفع مبالغ هائلة مقابل إطلاق سراحنا، إنها مسألة تجارة البشر التي سمعت عنها كثيرا والآن أبقى رهينا في أروقة أبطالها، فسارع من معي بالإتصال بذويهم لإبلاغ الخبر، كما أبلغت بعض أقاربي بالحدث، لكن المبلغ كان باهظا لا يطاق، وبقينا في أسرهم مدة حتى امتعضوا من الإبطاء فزادوا من تعذيبنا وإذلالنا لإجبار أهالينا بدفع المبلغ المطلوب على الفور، وما أدراهم أنهم من أهل العوز! وفي خلال طقس تعذيبي كانوا يمارسونه علينا ألقيت بالشتيمة على أحدهم فغضب من ذلك فأطلق الرصاص عليّ، فقرروا وضعي في مستوصف صغير في إحدى القرى وأنا أكابد الجرح والدم ينزف، وللأسف عجز المستوصف من تقديم خدمة طبية لهذا الجريح، وأودوعوني في سيارة كانت تتجه نحو مخيم اللاجئين، في كينيا، فوصلنا إلى مخيم طكحلي وأنا في حالة غيبوبة، وظن البعض أني في حالة النزع، ولحسن الحظ تلقيت هناك إسعافات وخدمات طبية أنقذتني من مخالب الموت، فلما تعافيت قليلا علمت أن الشرطة تتحرى بي للتحقيق الأمني وأنها وضعت عليّ إقامة جبرية، وأنها تشتبه فيّ باعتباري عضوا من الحركات الجهادية، فجن جنوني وازداد ألمي فأتى المخبر يلقي عليّ عشرات الأسئلة حيال حياتي ونفسي وطبيعة عملي إبان ثوائي في الوطن، والدافع للهجرة والإرتحال ...إلى غير ذلك من الأسئلة التي دوخت رأسي، وتركتني ملقى في أحضان الحيرة، وارتسمت على محيايّ علامات الدهشة، وبعد التعافي أخذوني إلى معتقل في مدينة قاريسا على ذمة قضية إرهابية لا أعرف عن كنهها شيئا، وتمت المحاكمة صورية بدون محام ولا حضور، وبقيت في السجن أعاني من ويلاته سبع سنين، أتذكر أن أول يوم دخلت في السجن تعرضت للضرب المبرح بأيدي هياكل ضخمة من المسجونين، وهذا ما يفعلون عادة مع الجدد ليرضخوا تحت إرادتهم، وينصاعوا للأوامر، ولا أستطيع أن أتحدث عن قصة السجن وكيف كان الذل والإذلال متجسدا في شخوصها، إنها حزء من حياتي انقضت الآن لكنها تركت فيّ أثر سلبيا، فأنا الآن أعيش في حالة نفسية مريرة، فمنذ فقدان عائلتي بسبب القصف العشوائي، بدأ الظلم يلاحقني في كل مكاني، فأورث فيّ شقاوة ومرارة، والآن أحن إلى بلدي حنين النيب إلى فصالها، ولكن مخاوف متراكمة تعوق دون الذهاب إليه، وبدأت هذا الشغل لإشغال النفس عن الحزن وللحصول على ما يسد الرمق، والمؤسف أيضا أني لا أمتلك الأوراق الثبوتية تدل على انتمائي لهذا البلد ما يعرضني للإعتقال بيد الشرطة، في الإسبوع مرة على الأقل، ولا ينقذني منه إلا دفع الرشوة ما يشل عملي، فكل دخلي لملأ البطن وستر الجسد وإنقاذ النفس من مخالب الشرطة بدفع الرشوة، وينصحني البعض بالذهاب إلى جنوب أفريقيا للإشتغال مع ابن خالي الذي وصل إلى هناك في أخريات أيام سجني، لكن ما باليد حيلة، وليست بحوزتي المواصلات ولا الجواز، كما أن هناك مخاوف شديدة من موطني ذلك البلد الذين أضمروا في طويتهم كل الحقد والكراهية، وصبوا جام غضبهم وجرعو كؤوس العلقم للصوماليين، الذين لهم اليد الطولى على استقلالهم، والتضامن معهم، لكن الحقد طمس بصيرتهم، وأنساهم قصص الأمس، فأنا الآن متردد بين البقاء هنا رهن الإعتقال في الإسبوع مرة أو أكثر، أو المخاطرة بالعودة إلى الوطن المأزوم، أو المغامرة في الذهاب إلى بلد الكراهية والتمييز العنصري، ولا أعرف ما تخبؤه لي الأيام، هل سيستمر فصول الظلم أم سينقشع السواد ويزول الغبش، وينجلي الليل، ويحل الفجر في ساحتي باسما، بنسائمه العليلة، التي تبعث الحيوية والأمل في قلبي الجريح، فالقصة لم تكتمل بعد، وهذه القصة تعكس على سيناريو بات مألوفا لدى قاطني هذا البلد-الصومال- بعد نشوب الحرب وتشردهم في أنحاء العالم شذر مذر، ولست الوحيد الذي حدثت له مثل هذه الفاجعة بل هناك الكثير ممن قصصهم المبكية تكون لدى القارئ أقرب إلى الخيال من الواقع، لكن ما يعزينا قليلا أن صحوة ويقظة جزيئة باتت تهدد معاقل الغفوة، وأن هناك تحسن ملموس يشوبه كدر، ولكن ما أخشاه هو أن يكون هذا الكدر بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.
فلما انتهيت من قراءة قصة النادل غمرتني نوبة حزن، وقمت بتشخيص الحالة المرضية للوطن العزيز، وتصورت في كم القصص الهائلة التي تفوق هذه غرابة وحزنا صادفت الكثير من أبنائنا، وكيف تنكرت في وجوههم الحياة، وحٌرِمٌوا من مباهجها، ومنيت محاولاتهم بإخفاقات، وحالفت دروب حياتهم بمنغصات جمة، وصارت آمالهم حبيسة في قفص الزمان، الذي أحكم القبضة عليهم، ورماهم بسهم شرس، فمن يتمعن معاناة مواطني هذا الوطن الذين صاروا بين مهاجرين امتطوا صهوة الجرأة في رحلة الموت فوق البحار والصحاري والمفاوز، في رحلة يحدق عليها المخاطر من كل حوب وصوب، و مختطفين بأيدي تجار البشر، ومن صار في ذل اللجوء ومرارة الغربة، ومن صمد وبقي في الوطن وتأقلم مع الظروف الصعبة يراوده طيف الموت بين الفينة والأخرى، من تمعن وسرح تفكيره في ما ذكرناه وزيادة يستطيع أن يٌخَمِنَ حجم المأساة، ورجاؤنا في الله عظيم فقمت من مكاني أقلب كفتيّ، أطلق آهات وأنّات على وطني العزيز، وعلى مواطنيه، فلوّح النادل لي يده يودعني بابتسامة مقهورة فقلت له بصوت خافت إلى اللقاء يا عزيزي ...إلى اللقاء في الوطن العزيز مرفوع الرأس عزيز الجانب.... لنتفاءل بالخير يا عزيزي فالأمور تتحسن، فصمت في وجوم، وأدار لي ظهره منصرفا إلى عمله، وعدت أدراجي إلى المنزل وكلّي رغبة للبكاء على الصومال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كافة الحقوق محفوظة 2012 © site.com مدونة إسم المدونة