رحلة إلى عالم الخيال:



أدمنت في هذه الليالي على السهرات الليلية والسمرات مع الأصدقاء، في المقهي الواقع بالقرب من محل إقامتي، أصبح لا يصفو لي الأمر ولا يحلو لي المقام، حتى أقضي هناك قسطا من الليل، أتجاذب أطراف الحديث معهم، ننتقل من سهل إلى جبل، من درب معبد إلى وعر، ونحن ما زلنا على الكراسي وأمام الطاولات، نحنتسي الشأي ونرتشف القهوة بنكهة الصداقة، وبروح المرح، نلقي النكات الطريفة نتبعها بالضحكات المجلجلة التي تثير في نفوسنا نشوة غريبة تجعل أجسامنا تتمايل بشكل هستيري، فآتي إلى البيت وأنا أجر قدميّ من الإرهاق، وأكافح جفنتيَ لمنع الإغماض، فأطرح نفسي على الفراش كجثة هامدة، فلا يلمس جثماني نعومة الفراش إلا والنوم يسربل عليّ بأذياله يأخذني إلى عالمه كعشيق يتلقى هدية من محبوبته، لكن هذه الليلة يبدو أن الأمر مختلف، فما دلفت إلى داخل المنزل حتى طار عني الرقاد، وأبت مقلتاي المنام، وحاولت أن أفتل في الذروة والغارب لإجبار نفسي بكل الطرق على الهجوع، لكن عبثا حاولت، وذهبت جهودي أدراج الرياح، وبدأ ذهني يسرح بعيدا في ذكريات الماضي، وكأني أرنو بطرفي إلى مشاهدها الحافلة بالأوجاع والمسرات، بالأفراح والأتراح، أتفرج على هذا الشريط الذي يتقلب بسرعة تكاد تصل سرعة الضوء فأحاول الجري وراءه، كمن أفلته القطار فيحاول الإدراك به، ولكثرة المشاهد المؤلمة في الذكريات ووقوفي للتفرج على الدهر يتقمص دور السبع يهجم على الفريسة التي هي أنا، شعرت بالإختناق والغيظ الشديد، فحاولت أن أسري نفسي من هذا الشعور فبدأت أغرد كالبلابل بأحدى العنتريات، أستشرس على الزمن، وفجأة خطر في بالي فكرة الخروج إلى الخارج لاستنشاق الهواء الطلق، فخرجت ورأسي يدوي بزخمة أفكار مبعثرة كدوي النحل، وفيّ غصة شديدة تمنعني من النطق ببنت شفة، حنقا على الزمن الذي استهدفني بسهامه القاتلة، ولم أكن أعرف وجهتي، ولم أفكر في تحديد الوجهة، كانت قدماي تحملني من زقاق إلى زقاق، ولحسن حظي كانت ليلة مقمرة، وفجأة وجدتني أمام شبح مخيف، في يده سكين تلمع ضياء، فلذت بالفرار، فقطعت أميالا لم أنظر إلى الوراء، والآن لا أرى الشبح، وتملكني الأوام والعطش وبلغ بي الجهد والتعب أقصاه، وكان العرق الذي تصبب مني، قد بلّ قميصي، فتوقفت قليلا، لا أعرف أين أنا، فتنهدت وأطلقت زفرة حارة وطويلة، واستجمعت قوايَ وحاولت المشي أجول بنظري في جميع الجهات، وهاجس الخوف ينبض في قلبي، وفي هذه اللحظة، سمعت تلاطم أمواج البحر،وعرفت أني على شاطئ البحر لا يفصلني عنه إلا تل غير مرتفع جدا، فذهبت إليه من فوري مندفعا، وقد زال عني الوجس، وشعرت بالأنس، متيقنا بالنجاة، وبدأت أستنشق الهواء النقي، وأستمتع بالجو الرائع، أصغي بسمعي إلى خرير الأرياح وتلاطم الأمواج كأنهما يتصافحان، ويتراقصان، ويعزفان بنغمة مثيرة، فأخذني الطرب، وبدأت أقفز من كثرة النشوة، فتذكرت كلام الرافعي إمام البيان حيث قال:إننا لن ندرك روعة الجمال في الطبيعة إلا إذا كانت النفوسة قريبة من طفولتها، ومرح الطفولة، ولعبها وهذيانها" فلم يرعني وأنا في قمة المرح والنشاط، إلا لمعان يشع من قبل البحر، خيل إليّ أنه زورق بعض صيادي السمك، أو بعض قراصنة البحر، يستنيرون بإضاءة، لكن الإشراق تعدى البحر إلى الشاطئ وبدأ يقترب إلىّ فهممت بالفرار، فلم أخط بخطوة واحدة حتى وجدت الضوء بين يدي فتجسد إلى فتاة غانية في عنفوان عمرها وريع زهرها، تحكي القمر بل هي القمر يمشي على الغبراء، كأنّ القمر ملّ من دورانه في أفانين الخضراء، وعاف منازلها، وعزف عن الروتين القاتل المنظم، فأراد أن يتمرد فنزل إلى الأرض، في هئية فتاة فاتنة، تقتل بلحاظها عيون الوامقين، وتجرع السم في قلوب الوالهين، فتبسمت الفتاة بسمة أسفرت عن ثغر وضاء، يفوح منه أريج المسك، وتكلمت فذهلت من فصاحتها، وطمأنتي وجلسنا سويا على رمال الشاطئ تغازلني وأنا أسيل لعابي من جمالها المبهر، وأنشد الشعر فتعارض، فعلمت أنها ذات قريحة وثابة، وموهبة عالية في عالم القوافي، قلت لها: ياربة القوافي وأميرة الجمال، ومعجزة البيان، صرت مستهاما فيك، متيما في عشقك، واقعا في قبضة غرامك المحكم، فتصرفْ فيّ بمقتضى إرادتك وموجبك رغبتك، فاستهلّت في الكلام، فأثتت عليّ وأطرت، ونوهت بحبها لي وإعجابها بشأني، وأطنبت في وصف عسقها، فقلت إذا كان كلانا في قفص العشق، وزنزانة الغرام فما ذا يمنعنا من الزواج على بركة الله فقالت –وثغرها باسم-: وافق شن طبقة فانهض بنا إلى تلك الخيام حيث تقطن فيها عائلتي، نتزوج بإذنهم، فنهضنا مسرعين حتى وصلنا إلى الخيام فاستقبلوني بضيافة منقطعة النظير، وقدموا لي مائدة فاخرة، وبدأت الفتاة تتحدث معهم، فأصغوا أسماعهم إليها، كأنها تزف إليهم بشرى، وهم على بعد أمتار مني أسمع همهمات وغمغمات لا أفهم فحواها، وفجأة ابتدأ النساء بالزغاريد ونثر الأهازيج، واجتمعت شيوخ العائلة وفي طليعتهم والدتها فتم عقد النكاح، في ظل أفراح، وأجواء رائعة وتوّجوني بالأكاليل، وأدخلوني والفتاة إلى بيت في غاية الجمال، تم تأثيثه بشكل رائع، هناك وعلى تلك السرير الجميلة، تعانقنا أنا والفتاة وسقتني من رضابها ما أروى غليلي، حتى بزغ الفجر فغفوت غفوة ثم استيقظت وأنا مضطجع على مزبلة ممزق الأثواب، فحوقلت واسترجعت وتسللت إلى بيتي ألعن الدنيا مطلق العنان في التفكير فيما حدث في البارحة فلم أجد أي تفسيىر للحادث.                                                                                                                                                                                            

هناك تعليق واحد:

كافة الحقوق محفوظة 2012 © site.com مدونة إسم المدونة