ارتماء في حضن الطبيعة:




ذات مرة اعترتني نوبة اختناق، وعزف لي الزمان سيمفونة الأحزان، وعزفت صخب المدينة وصراخها: هدير محركات السيارات، وصياح الأطفال أثنا غدوتهم أو روحتهم إلى المدارس، وولولة النساء وغنجهيتهن، وتشدق الرجال وتبجحهم في شأن السياسة الشائكة المعقدة، وضجيج  العمال، كل هذا شكّل فيّ رغبة ملحة لتغيير هذا الروتين، والتنقيب عن جو مغاير، حزمت أمتعتي، وغادرت المدينة أرنو إليها بطرف غاضب، كانوا يتهامسون فيما بينهم بأنّي مصاب بمرض الهوس والهلوسة وبحاجة إلى علاج، وأن أوْدَعَ في مستشفى المجانين، ينوِّهون بهمهماتهم بأنّي في هذه الأيام كانت أعصابي هائجة وثائرة ومتشنجة، وكان آخرون يتنبئون بأني سوف أختفي في غياهب الغابة، وسأكون فريسة لذيذة للسباع المفترسة، يبدو أن لديهم مخاوف من هذه الغابة، مخاوف من بنات أفكارهم ونتاج أوهامهم، كنت أسير ببطء وتأن، أستشعر بأني في جولة سياحية، كنت أرمق ببصري على كل وجهة بغية أن تقع عيني على ما يهفوا إليه ضميري، ويصبو إليه قلبي، ذلك الغامض الذي لا اعرفه أنا، فضلا عن غيري، أنا متأكد فقط بأني أبحث عن شئ ينقصني، وأن قصتي وروايتي الجميلة التي سطرتها بيراعي ومكثت على تنقيحها برهة من الزمن، ينقصها شيئ، وأن هناك حلقة مفقودة لا بد من العثور عليها، كنت أحس بالمتعة والنشوة كلما ابتعدت عن مضارب المدينة ومساكنها، وتوغلت في قعر الغابة وأشجارها، كانت السماء غائمة، وقد أمتدت في وسطها قوس قزح طويل، كانت نسمات منعشة متضوعة بأريج المسك تتسرب إلىّ، أستنشقها بكل قوة، أبالغ في الإستنشاق كأن هذه اللحظة لن تعود ثانية، وأن هذه النسمة لن تهب مرة أخرى، نصبت لنفسي خيمة تحت شجرة كبيرة واسعة الغصون ينحني أغصانها نحو الأرض، كأنها عذراء مطاطئة، تخجل من نظرات عشيقها صوب محياها، وطهوت لنفسي طعاما، وبالمناسبة فأنا أعرف الطهو ولي مهارة في ذلك، فبعد الفراغ من الطعام خرجت من خيمتي أقبل على سحر الطبيعة، أصعد التلال والروابي، وأنحدر إلى السهول، أستمتع بذلك، هنا يرقد الجمال الذي ينشده الجميع، هنا تثوي السعادة التي نضحي من أجلها الغالي والثمين، هنا تتربع عليها الحيوية، هنا نشاهد بكل حرية بصمة الجمال في صنع الله، مناظر الطبيعة الخلابة تجعلني أرتمي في حضنها كطفل تائه لم يجد من يرحمه بقي على هذا الحال يائسا من أمه التي فقدها في خضم الزحمة في العواصم الكبيرة وصدفة وجد أمه واقفة بين يديه، كذلك كنت تماما، أخرجت عدسة الكاميرا الرفيقة التي لم تكن تفارقني لا في حل ولا في ترحال، أقبلت ألتقط هذه المناظر بشغف، وهي تتراقص بين يديّ كغانية حسناء تجيد كل فنون الإغراء وإغواء الرجال، أجول في واحاتها، أنظر إلى الأشجار التي تتراقص أغصانها بطريقة مثيرة متناغمة مع هبوب الرياح التي تحكي خريرها سيمفونة أسطورية موسيقية تعزف بأعذب الألحان، وهذا التناسق الموسيقي يزدري على كبار الفنانين والملحنين، إضافة إلى زقزقات الطيور وتغريدات البلابل والعصافير، كل هذا كان يضفي على الجو الرائع روعة ويزيد رونقه، ويسربل على نفسي التي طالما عانت من المشاق وتشنج الأعصاب هدوءً روحانيا عجيبا، وفريدا في نوعه، كأنه نزل من السماء، كان يمتص مني كل الهيجان والغضب، ويفرغ فيّ سكونا وطمآنينة بحجم الصحراء تتسع لعشرات النسم، تمنيت لو أني أقضي هناك باقي حياتي، وفجأة انقدح في ذهني فكرة أن أكتب هذا الجمال فتسابقت الحروف إلى السطور، وانقاد القلم منصاعا وأصبح طوع بناني أوجهه حيث أشاء، كأنه هو الآخر يتمتع بهذا الحو الرائع، ولم يعد يستعصي عليَ كما كان يفعل من قبل، وانثالت عليَ المعالي انثيالا بانسيابية وشاعرية، أنتقي منها ما يلامس فؤادي، وظللت منكبا على الكتابة حتى المساء حين استأذنت القلم بأخذ جولة سياحية في ظل الطبيعة الساحرة، أمشي بين النباتات والأعشاب المتراصفة بهندسة فريدة، كأنها من صنع فنان محترف، تنبض بالجمال، كنت آخذ الأزهار من أغصانها وأشم من أريجها، وأملأ رئتي من عبقها، لا أرى فيها زهرة ذابلة، كان الفصل ربيعا، وما أدراك ما الربيع، إنه حين تبكي السماء بغيثها المنهمر وتضحك الأرض بنباتها وأعشابها المنتشرة، هنا يصفو المزاج، هنا يحلو المقام، هنا تطرد الطبيعة بسحرها كل أشكال الهموم، هنا يتحرر السائح من كبل الأحزان، هنا يتغير ضجيج المدينة إلى نغمات موسيقية ومعزوفة أسطورية صٌنِعَتْ لامتصاص الآلام والأوجاع من جسد بني البشر، لكن القليل من يتفطن لذلك ويؤم إليها!. أأرض

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كافة الحقوق محفوظة 2012 © site.com مدونة إسم المدونة