كلمة وفاء لمعهد بلال الإسلامي وأصدقائي هناك



هنا في هذا الجو الذي يسحرك بجماله، وتأسرك روعته، هذا الجو -بشاعريته- الذي يصقل الأذهان، ويشدب القرائح، بسمائه الملبد بالغيوم، ومزنه الذي لا يزال يحود لنا بغيثه، ويهدى لنا في كل وقت برذاذ من المطر بأريج المسك، وعبق العنبر، وفي أروقة هذا المعهد المترامي الأطراف المترع بالجمال،المكسو بالجلال، المرصع بالنباتات والأشجار الباسقة بطريقة منظمة، تجعله يحاكي حديقة غناء، وحقل خصيب، إنه معهد بلال الإسلامي في تلك القرية النائية،المسماة بكاجيري، في ذلك المكان الريفي بعبق الأصالة والطبيعة الخلابة،في رحاب هذا المعهد قضيت أياما، حاملا للقلم والدواة والقرطاس، أرتاد مكتبته الثرية الغنية،يسعفني فيها أمينها البسام،ذا الصوت الأجش، والحكمة الأصيلة،والروح النشيطة والتضحية، فأجْني من هذه الحديقة الثمار اليانعة، وأروي من هذا المنهل ومن هذا المعين الذي لا ينضب، وطورا آخر أجلس في مقدمة الفصل وفي طليعة الأحبة؛ لكي ألتقط الجواهر التي يلفظها المعلم،والدرر التي يوزعها مجانا، إنها العلم والحكمة، أصغي إليهم باغتباط،أشعر بسعادة غامرة، نطرح الأسئلة، فتأتي الإجابة ببداهة، بأسلوب رشيق مقنع، لا يترك المين إلى قلبك سبيلا، وطورا أخر اواكب على الكتب للمطالعة، وأشتغل بالقراءة، مع خلان كانوا لي في درب التعليم أعوانا، بتوجيهاتهم ونصائحهم وبالتشجيع والتحفيز، الكلام المعسول مجبول في القوم، والمجاملة مع حسن الطوية من ديدنهم وسجاياهم الحسنة، والإلتفاف حول من يظنون به العلم من عاداتهم، يجثون بالركب أمام الطالب المتفوق فضلا عن المعلم، التواضع والإحترام والتوقير من شِيَمِهِم، وجثي الركب للكبار وسيما الوالدين أمر متفق عليه بين أهل هذه البلاد ما بين مسلمهم وكافرهم، ميسم الأصالة منبع الإحترام هو هذا في نظرهم، حتى الزوجة تفعل هذا لحليلها وشريك حياتها،حين يقدم إلى البيت، أو تصادفه في الطريق، تجثو بركبتها أمامه، مطأطأة راسها، وفي البداية فغر فايّ، ولم أكد أصدق، وأنكرت عليهم بحدة أهل الصومال مشوبا بالإستغراب وبشيئ من التحقير، حتى تأثرت بهم وزال إنكاري، وبدأت أخلق الأعذار والتبريرات، حتى كاد يعدو هذا الأمر إليّ، وفي أيام العطلة أحاطوني بعطفهم وحنانهم، وأنسوني الأهل والأحباب، وشاركت معهم المناقشات والمناظرات العلمية والأدبية، والحفلات للجمعيات الطلابية، وقدموني في المحافل والجلسات، وأسكروني بالترحيب، ولم أشعر يوما بأني مختلف منهم بالجنسية، فكدت أذوب فيهم، وقضيت في أكناف بيوتهم أياما لا يمحوها النسيان، بما فيها من الذكريات الجميلة، وأطربوني بثنائهم، فنعم الأحباب ونعم رفاق الدرب أؤلئك، صداقة حميمة وعلاقة وطيدة مع هذا المجتمع الطلابي الغفير،والمسايرة لهم في معاملاتهم الطبية،ليالي السمر والسهرات المليئة بالطرف والنكات،كل ذلك مما يبعث اللوعة ونشدان ذلك الماضي الغابر الجميل، ومن أهم ما يميز الإخوة الأوغنديين النكات التي يطلقونها في كل مناسبة، والضحكات من القلب ،وخالطت أولئك الألباء، وأنست بحديثهم الذي هو أحلى من الشهد وأشهى من الزلال، وقمت معهم جولات أجوب في فيافي البلد، أتعرف على التقاليد، وأمعن النظر في الجمال الذي أودعه خالق الكون في ريف أوغندا، ولم أر فيهم عيبا غير أن المقيم بهم ينسى الأهل والأقرباء لكرمهم، ولو شئت أن أسرد أسماءهم مع نبذة من أوصافهم، لأحتاج ذلك مني إلى أسفار؛ لكثرة ما أعرف من القوم، ولطول ما بقيت فيهم، حتى عرفتهم عن كثب، فإلى أصحابي الأوغنديين رفاق الدب وزملاء الفصل، أذكر منهم صديقي المخلص ورفيق الدرب، من كان لي كمثل الظل لصاحبه؛ لطول الملازمة، وكان لي شفيقا، أخي وحبيبي -أبعدني عنه البين مع الأسف- عبد الحكيم مكاي.
ومنهم صديقي ذو الطلعة البهية والرواء الأنيق والوجه الصبوح، عبد الرحمن مكاطي.
ومنهم نائب الإمام للمسجد في ذلك الآن معرف.
 ومنهم حافظ القرآن والصديق الوفي قاسم وغيرهم كثير، إلى من ذكرت من أصحابي في تلك الحقبة الجميلة ومن لم أذكرهم لضيق المقام أوجه إليهم تحياتي العطرة، معلنا لهم ودادي الصافي الذي لا يشوبه كدر ويبقى مع حدثان الدهر لا يبلى بل يتجدد، افتقدتكم وافتقدت جلساتي معكم يا لجمال تلك الأيام تقبلوا من محبكم إعلانه الصارخ بالوداد.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كافة الحقوق محفوظة 2012 © site.com مدونة إسم المدونة