كانت
السيارة تعج بالركاب، وأنا من بينهم،تمضى بسرعة، وهدير محركها يصك الآذان، كان
نائما على مقعده غير مكترث بمن حوله يعيش في عالم اللامبالاة يغط في النوم، ملامح
وجهه يدل على أنه مدمن للقات، فجأة أستيقظ ونظر يمنة ويسرة ففي اليمين يجلس كهل في غاية الأناقة، وعن
شماله كان يجلس المتكلم، متضررا من الشخير الذي يصدره النائم، كان مزعجا، إضافة
إلى أنه كان يسقط رأسه على كتفي بين الفينة والأخرى، ابتسم ابتسامة خبيثة، ثم أخرج
من جيبه علبة سجائر، فأشعل واحدة منها، فتصاعد الدخان محملا برائحة الدخان الكريهة
تضيف إلى رائحة الناس بسبب الإحتكاك والتعرق كثيرا من النتن والعفن، أسرعت بعمامتي
إلى أنفي فلففت به وبفمي ولزمت بالوجوم، تبادل الركاب نظرات الدهشة والعجب، وكادوا
يختنقون من رائحة السيجارة لكن أحدا منهم لم ينطق ببنت شفة سوى الرجل الكهل الذي
كان يجلس يمين هذا المدخن،تكلم معه بلطف لكي يكف التدخين في داخل السيارة،لكن
الآخر نظر إليه شزرا ولم يجب بكلمة بينما يواصل التدخين بوتيرة متصاعدة،فأخرج
الكهل من حقيبة كانت أمامه علبه مبيد الحشرات فأفرغ بعضا منها في أنف
المدخن،احتجاجا على التدخين الذي هو سم ناقع في نظره،فغضب المدخن واستشاط غيظا
وبدأ يلاكم الكهل،وتبادلا الملاكمة،واحتدم العراك،وبعد جهد ومشقة استطاع بعض
الركاب من فض المعركة،والتفريق بين الرجلين،وأقسم المدخن بأغلظ الأيمان بأنه سيقتل
الكهل المتدين في أول فرصة تسنح له،وهكذا وصلنا إلى المدنية التي كنا نقصد إليها
وتفرقنا جميعا،ولا أدري ما الذي كان من أمر الرجلين فيما بعد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق