اندهش نجيب وأصابه ارتباك وذعر شديد، كان طول
الليل لم تكحل عينه بالنوم،عشرات الأفكار والهواجس روادت مخيلته، طال عليه
الليل،كان يعرف أنه يجب أن يفعل أي شيء ينقذه من هذه الورطة، ولكن لا يعرف ماهية
هذا الشيء بالتحديد، كانت تتملكه الرغبة في البكاء فيحجمه عن ذلك كونه رجلا
صوماليا،أبناء الأشداء،قلوبهم صلبة كانما نحتت من الحجر، العار كل العار أن يبكي
الرجل، ولكن في قلبه كان يتألم ويكاد يتفطر من هول الفاجعة، كان يترنح بحركات
عصبية هستيرية، ويدور في غرفته مطرقا رأسه تتطاير من عينيه الشرر، يهذي هذيان
الممسوس، بكلام متداخل، وبصوت مخنوق من الغضب الذى بلغ به أوَجه، كان هذا حاله منذ
أن تلقى مكالمة من زوجته في أوغندا تبكي بكاء مريرا، ظن في البداية أن أحد أبناءه
لقيّ حتفه إثر حادث سيارة، ففزع لذلك،لكن ما أن سمع الخبر الحقيقي الذي زفت إليه
الزوجة وهي تغالب دموعها بصعوبة، حتى كاد يجن من الغضب، وتشنجت أعصابه، وثار في
نفسه بركان هائل من الغيظ والحنق، وتمنى كثيرا أن تزوى له الأرض حتى يتمكن من ذلك
الوغد الذي أحبل كريمته الصغيرة بالزنا فيفعل به الأفاعيل، يشعر كأن الدنيا قد
اسودت أمام عينيه، ما ذا عليه لكي يغسل هذا العار عن نفسه؟ سؤال كانت تشغل ذهنه
ولم يحر جوابا مقنعا،تذكر وجه كريمته التي لم يرها منذ ثلاثة أعوام، وملامحها التي
ارتسمت بالبراءة، تذكر كيف أنها تعلقت بعنقه يوم سفره الأخير إلى الولايات
المتحدة، تذرف عينيها بالدموع ذات المعنى الكبير.
أطلق اللعنات والندم والحسرة على سماحه
لهذا الوغد الذي أفسد كريمته بالدخول في بيته،بل عامله كأحد أبنائه وباعتبار
المعلم لأولاده بالقرآن، كان ذلك قبل انتقال الأسرة من مقديشو، حيث تلقى مكالمة من
ابنه أحمد الذي عرض عليه هذا الطلب، أن يعيش في كنفهم هذا الشاب التعيس الذي لا
يجد ملجأ سوى المسجد، ولا فراش يبيت عليه إلا سجاجيد المسجد،مع لسعات البعوض
النارية،بيدو أنه غريب في هذه البلدة، وقد تعرفت عليه، حدثني كثيرا عن ماضيه، إضافة
إلى أنه يجيد القرآن ويتقنها إتقانا لا مثيل له، وإذا شرع بقراءته بصوته العذب
تكاد الطيور تصغى إليه فقد أسميته بالمعلم العندليب، فرحب الوالد فكرة إيواء هذا
المعلم المشرد ولم تعترضها الوالدة بل على العكس تعاملت معه على أساس أنه أحد
أفراد الأسرة واطمأنت إليه، وسكن في غرفة مع صاحبه أحمد أكبر أولاد نجيب الذي تعرف
عليه وكان السبب الأكبر لأخذه من حياة الشظف والضياع إلى بيت الثراء والرفاهية، دبت
إليه نسمة الحياة وعاد جسمه حيوية ونشاطا،ورجعت إليه الوسامه التي اغتصبتها نوائب
الدهر،كان حديثه مع أحمد في مسجد علي صوفي في لقائهما الأول بالصدفة، عن حياته
التعسة وفقره المدقع، ورثاءه على نفسه، مثيرا للشفقة، كان نحيلا رث الهئية منطرحا
في أبواب المساجد لا يقتات إلأ بالولائم التي يدعى إليها طلاب العلم في المسجد، فنظرة
واحدة على وجهه أنذاك كانت تكفي للجزم بأن هذا لن يخدع أي أسرة تؤويه للبراءة التي
ارتسمت في تقاسيم وجهه.
وفي كمبالا في حي لوباغو روط بقرب محطة
الوقود كانت شقة كبيرة ذات غرف وحجرات كثيرة وأثاث مريح بطابقين يربط بينهما سلم
جميل، وأرضيتها ملبطة بشكل يجذب الأنظار، إضافة إلى الأرائك التى رصفت في غرفة
الجلوس بهندسة، كان كل ما في هذه الشقة، يشير إلى الثراء الفاحش الذي تتمتع به هذه
الأسرة،اشترى نجيب أرضيتها وبنى هذا المنزل الفاخر بعد توغل قوات الأثيوبية في
مقديشو واندلاع حروب المقاومة في الوقت الذي لجأ كل من كان بوسعه إلى الهجرة
والنزوح، في ذلك الوقت انتقلت هذه الأسرة إلى كمبالا فسكنت في أحد الفنادق المبهرة
في قلب مدينة كمبالا حتى تم تشطيب هذه الشقة، فانتقلت إليها برفقة المعلم؛ إذ لم
تتجرأ أن تتركه في مقديشو وسط هذه الحرب المستعرة التي كادت أن تدمر المدينة عن
بكرة أبيها.
في غرفة الجلوس من
الطابق الأرضي كانت تجلس الأم الحزينة على الأريكة بجنب جارتها التي تهدئها وتربت
على كتفيها،وقد بلغ الأسى والكآبة مبلغها،كانت لا تنقطع من البكاء،احمرّ وجنتيها
وعلا عليها الشحوب وتغيرت تغيرا كاملا، تنهمر من مقلتيها الدموع كشلال،تؤنب نفسها
على التقصير في مراقبة الفتاة،فالمعلم الذي أصبح في نظرها الآن شيطان في مسلاخ
إنسان استغفلها بمشاعر العطف والحنان الذي كان يبديه تجاه أولادها في حين كان
يتعقب ضحيته المسكينة كما يتعقب الأسد فريسته في غفلة الوالدة العجوزة التي لم تقم
بالمراقبة المطلوبة،وكذلك أخوها الأكبر الذي كان يذهب إلى احدى المدراس الثانوية
حيث كان يدرس وينشغل هناك، عندها خلا الجو للمعلم ليصطاد فريسته بحرية،أما الصغار
فكان يجمعهم في غرفة يكلفهم بحل الواجبات ومراجعات الدروس.
وفي الطابق العلوي
كان يتمدد أحمد على فراشه مغمضا عينيه يشعر بحزن يملأ صدره،وقد تراخت أعضاءه كأنه
يحس بثقل في رجليه، كان يريد مقابلة أخته غير أنها أوصدت الباب دونه ولم تسمح له
لأنها خافت منه أن يضربها ولم يكن هذا بعيدا فقد استشاط غيظا وحنقا لكنّ أمه أفضت
إليه ألا يؤذي أخته، أخذ جواله من فوق المنضدة وشرع يكتب رسالة إلى ذلك الخائن
الذي اختفى منذ ظهور الأمر..."لقد آويتك فأكلتني وغذرت بي فأنت لست إلا كلبا
ومن قبل قيل: سمن كلبك يأكلك" راجع نص الرسالة قبل أن يمضيها رأى أن النبرة
فيها غلظة ظاهرة لكنه اغتبط بذلك ولم يأسف بل تمنى لوكان يقدر أن يفعل أكثر من
السب ليلقن المعلم الخائن درسا لا ينساه، وتمنى أيضا أن يخنق أخته، لكن نفسه لا
تطاوعه على ذلك إلا إذا فقد العقل فهو فعلا يحبها كأشد ما يحب الأخ أخته.
وفي الغرفة المجاورة
يتهامس الأطفال فيما بينهم بكلام بعضه مختلق والبعض الآخر له نصيب من الصحة، وفي
الغرفة المقابلة استلقت حليمة ذات الأربعة عشر ربيعا على سريرها، وقد وضعت الوسادة
على وجهها حتى لا تلتقي عيناها بعيني أحمد أو أي أحد من أفرادأسرتها إذا حاول كسر
الباب بقوة، كانت تعض على شفتيها وتبكي بحرقة كأنها علمت الآن فقط جريرتها بعد
غيبوبة وتحت تأثير مخدر الحب،علمت الآن أنها خيّبت آمال والديها والعائلة بأسرها
التي كانت تتوقع لها مستقبلا مشرقا،همت أكثر من مرة للإقدام على الإنتحار لكي
تتخلص من هذا العيب الذي التصق بها وبعائلتها، لكن خوفها من الموت وما بعده منذ
طفولتها أبعد فكرة الإنتحار عن مخيلتها،وحعلتها تفكر في خيارات أخرى لكنها لم
تستسغ أيا منها على الإطلاق،فالأستاذ الذي سبب لها هذه المعاناة، وأقحمها في هذه
الماسأة بحيِله الكثيرة من كلام معسول ومعاشرة ممتعة إلى غير ذلك من الأساليب التي
جعلت هذه المسكينة تنغمس في عالم العشق دون نظر إلى عواقب الأمور،لا يرد الآن على
الاتصال مما يعني التخلي عنها في هذا الظرف الحرج، مسكينة أنا،كم أنا ساذجة إلى حد
كبير، هذه لا شك مشكلة عويصة،يا إلهي هل أجد مخرجا من هذه الهوة المظلمة التي
رمتني إلى قعرها سذاجتي المتواصلة، نعم إني صغيرة كما يقولون، وكما هو الحال لكن
هل يكون هذا عذرا كافيا في الجري وراء من يسعى جهده إلى فضيحتى، والإستلام المطلق
ليداعب بجسمي كما يشاء أه أه ثم أجهشت في البكاء وتزامن انطلاقة نوبة البكاء مع
رنين جوال أحمد في الغرفة الأخرى،فقفز إلى ذهنها أبوها الذي يمكث حاليا في
الولايات المتحدة كيف حاله الآن لا شك أنه مصدوم بما حدث مما زاد حسرتها وندمها،في
هذا الأثناء رد أخوها أحمد على المتصل وهي تصغى إليه وقد لصقت بأذنيها على
الباب،وخف بكائها.
نظر أحمد إلى الرقم المتصل فإذا هو رقم غير
مسجل لديه لكنه من الولايات المتحدة،كان يعرف ذلك،رد أحمد على الإتصال....هالو
هل أنت أحمد نجيب حيري؟
نعم ومن
أنت؟
أنا بشير
رفيق والدك. من الواجب أن تعلم أن حالته سيئة للغاية وأنه الآن في غرفة العناية
المركزة.
والدي!
ما ذا حدث له؟!ما ذا أصابه؟!
لا ندري
شيئا، وجدنا صباح اليوم يشتكي من مرض، فأخذناه إلى المستشفى، وذكر الطبيب أن حالته
خطيرة
- خطيرة!
أه
نعم وقد
أخبرنا الطبيب أن ضغط دمه مرتفع جدا.
نزل أحمد
بسرعة إلى الطابق الأرضي، ووقع أقدامه الثقيلة على الدرج تقع على مسامع حليمة وهي
تطلق زفرة كبيرة ونواحا غير مخفيّ جراء ما سمعت، وقف أحمد أمام أمه وجارتها وقد
خفت حدة بكائها،فحدجت فيه بنظرها فرأت احمرار وجهه،والدمعة التي أطلت على جفنتيه
التي عجزت عن السقوط،فعرفت أن هناك شيئا ما قد يكون خطيرا.
ماذا
حدث؟
أراد أن
يجيب، لكن شيئا ما -قد يكون مغالبة الدمع- منعه من البوح بما يريد.
هل قامت
بالإنتحار؟
يا إلهي
عماذا تسأل؟! هل هذا أيضا محتمل؟ فإن حدث هذا فسيكون من ضمن الرزية التي تساقطت
علينا كتساقط حبات المسبحة،وقطرات المطر.
-عفوا
فالوالد حالته الصحية سيئة للغاية وهو الآن في غرفة العناية وضغط دمه مرتفع.
-ما تقول
هل هذا صحيح؟سألت الجارة بذلك
-اتصل بي
الآن أحد أصدقائه هناك في الولايات المتحدة، أخبرها أحمد بذلك،وبينما هو لم يتم
الحديث، بدأت الأم تضرب رأسها على الأريكة، تنوح نياحة التكلى التي فجعت بولدها
الوحيد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق