كلمات حول الحلقات العلمية لدى الصوماليين في السابق والحاضر





May 3, 2014 -
في السابق كانت الحلقات التي تقام في المساجد تلعب دورا مهما جدا في التعليم الديني وكان هناك إقبال كبير علي هذه الحلقات من قبل الشباب الذين يرغبون تعلم العلم الشرعي وما يتعلق بذلك,وكان البعض يرحل من مسقط رأسه إلي الأماكن التي تتكاثر فيه هذه الحلقات, فيتحمل مرارة     الاغتراب والبعد عن الأهل والأحباب؛ لينهل من العلوم الدينية, ويروي غليله وكان هناك مشائخ تفرغوا لتدريس الطلاب في الحلقات العلمية في شتى فنون العلم الديني, وكانت مصدرا هاما لتلقي العلوم الشرعية       والآلية لروادها.                                                           
 وكان القطر الصومالي من البلاد التي حازت قصب السبق في هذا المجال، وامتاز أهلها باحترام العلم, وتوقير أهله وطالبيه وبما أن هذه الحلقات لم تكن لها أي جهة تموِلها, أو تنفق علي الطلاب المغتربين أو توفير الوسائل التعلمية مثل الكتب فكانت الأسر علي ما بها من عيلة وفاقة هي التي تكلف نفسها للقيام بهذا الدور لتهيئة الجو المناسب للتعليم والتخلص مما كل يعوق هذه المسيرة العلمية ومن كل ما يعكر صفو    الطلاب المنقطعين للعلم حتى شاعت فيهم كلمات أصبحت متداولة علي ألسنة العامة والخاصة تدل علي مدى التضامن بين الأسر وطلاب العلم والتكافل الاجتماعي وكانت العلاقة الطيبة بين الطرفين أحيانا تؤدي إلي المصاهرة فكانت هذه مواقف مشرقة يجب أن تسجل بماء الذهب في    تاريخ هذا الشعب الشريف حيث أصبحت من أكبر الحوافز والدوافع التي تشجع طالب العلم نحو الطلب.                                            
 وبفضل التضحيات التي كان يقوم بها مشائخ الحلقات وإخلاصهم       ودروسهم الحافلة بالعطاء المستمر تخرج من هذه الحلقات كوادر مؤهلة استقوا العلوم والثقافة من هؤلاء المشائخ ثم عادوا إلي أوطانهم لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ولينشروا الدعوة الإسلامية والعلوم الشرعية في مناطقهم  بعد حقبة من الزمن قضوها في ديار الغربة من أجل تحصيل العلم ورحلة لاقوا فيها المشاق ذهابا وإيابا فكانت لهؤلاء مساهمة كبيرة في محاربة الجهل ومحو الأمية والحكايات الغريبة التي تروى في     بطولات المغتربين لطلب العلم كثيرة وتدل بوضوح نهمتهم وشغفهم     للعلم؛ حيث انقطعوا له وانهمكوا فيه حتى نسوا الدنيا فلم تكن توازي    عندهم شيئا وكانوا حريصين جدا علي الابتعاد عن كل ما قد يمنعهم من مواصلة التعليم بما في ذلك الأهل حدثني الثقة أن أحد مشائخه حدثه أنه  في طلبه للعلم قام برحلة إلي قرية نائية وبينما هو كذلك وصلت إليه     رسالة من أهله فلم يفتحها مخافة أن يكون فيها ما يثنيه عن الهدف ثم     فتحه بعد عشر سنوات فإذا مضمون الرسالة أن الوالد وأخوه الأكبر لقيا حتفهما مما يتطلب منه السفر.                                            
 ولا شك أن هؤلاء كانت عندهم همم عالية ونفوس سامية أورثت فيهم العزم علي تحقيق الغاية المنشودة بتحمل المشاق واقتحام المتاعب وكانت لهم قوة عجيبة علي المواكبة علي المطالعة وصبر قوي علي المراجعة والمذاكرة مع الأصحاب والخلان.                                          
وكان قد تزامن وجود هذه الحلقات وتكاثرها في وقت فشا الجهل وشاع  في هذا المجتمع، ومن أكبر الأخطار التي كانت تهدد كيانهم وانتمائهم   الديني هو الجهل عن تعاليم الإسلام وتصوير حالة الجهل الذي كان       سائدا  في وسط هذا الشعب والتعبير عن ذلك بكلمات تطابق الواقع من الصعوبة بمكان إلا أن هذا هو الذي دفع الغيورين أصحاب الرؤى       البعيدة للقيام بتخليص هذه الأمة من حمأة الجهل عبر إنشاء هذه الحلقات التي يتوافد إليها طلاب العلم من كل حدب وصوب فأحرزوا بذلك إنجازا كبيرا وبذروا بذرة طيبة.                                                    
فلم  تزل الحلقات تحتفظ دور ها التربوي والتعليمي للمجتمع حتى جاء هذا العصر الذي تضاءل فيه دورها وفقدت مكانتها وأصبحت الرحلة لطلب العلم في طي النسيان وفي بعض المناطق أضحت الحلق العلمية  أثرا بعد عين وفي بعضها زال البهاء والرونق الذي كان يخيم عليها     وعلي الرغم مما يبذله بعض المشائخ من الجهود الجبارة لإعادة الحلقات العلمية كما كانت في سابق عهدها إلا أن الذي يبعث الإحباط في قلب    المتأمل هو قصور همة الطلاب وقلة رغبتهم للعلم بعد ما تشتت بهم      السبل وطغت عليهم المادة وأصبحوا يولون كل اهتمامهم للعلم المادي    ومن أدركته الهداية والتوفيق من الله تعالي فأصبح يجري وراء الحلقات فهو يعتبر في أوساط البيئة فاشلا متخلفا عن موكب الحياة.               
  ومع هذه التحديات هناك بعض العلماء ممن صمد أمامها واستمر في      الحلقات. والعجيب أن الطلاب يقبلون علي الحلقة في بداية الدرس فما    إن يمر عليها بضعة أيام، حتى لا يحضر فيها إلا قلة قليلة، وقلما يتمكن      المدرس من إنهاء الكتاب بالتدريس في الحلقة من أجل هذه المشكلة.         
 فهذا ما يثبط همة المشائخ ويعوِق مساعيهم لرفع مستوي الشباب في     العلم الديني  فلم يعْدٌ جهد المقل من العلماء من تأسيس مراكز ودور      لتحفيظ المتون وتدريس العلوم الشرعية علي شكل المدارس مضاهاة     لهؤلاء ومجاراة لرغبات الماديين من إعطاء ورقة الشهادة للدارس بعد    إنهاء مرحلة دراسية في المدرسة إلي المرحلة الجامعية وتعتبر ورقة      الشهادة دلالة لكون حاملها مؤهلا علميا وأكاديميا مما يساعده في             الحصول علي العمل الذي له علاقة باختصاصه.                                                         
وفي شرق شمال كينيا -حيث يقطن فيه الصوماليون -صار الكثير من    الخريجيين من المدارس الثانوية مدرسين في الإعدادية وفي المدارس    المزدوجة، أو في دور التحفيظ للقرآن وهذا ما جذب انتباه كثير من      الفاشلين في الجانب المادي إلي هذه المدارس باعتبارها حقلا خصبا      وفرصة جديدة، وكذلك الذين عندهم الميول للعلم الديني قد حصلوا علي طريقة جديدة لتعليم العلم الشرعي مع تخفيف الضغوط والمضايقات من قبل الأهل والبيئة بحكم أن هذه المدارس لقيت رواجا كبيرا في أوساط العامة والخاصة.                                                            
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل المدارس استطاعت بسد الفراغ الذي تركته الحِلق العلمية في المساجد؟ وهل الحصيلة العلمية لطالب المدارس في هذه الأيام يقارب ما كان يجد الطالب المنقطع للحلقات مع اعتبار      الفارق الزمني والإمكانيات؟                                                 
فمع وجود إمكانيات هائلة اٌسْتُحْدِثت في مجال التقنية في الآونة الأخيرة والتي توفر للطالب المدرسي ما لم يكن يحلم به دانك الطالب الحلقي إلا أن نجاح المدرسة بتزويد الطالب بكمية كبيرة من العلم لا زال مفقودا لأسباب منها عدم كفاءة المدرس وموت روح الإخلاص في التدريس وتغلب المادة عليها عند المدرس وعند الدارس إلي غير ذلك مما هو بحاجة إلي دراسة معمقة في أبعاد هذه القضية. وبهذا يتضح الجواب أن المدارس فشلت في تمثيل دور الحلقات في التثقيف والتعليم وأن الحاجة ما زالت ملحة إلي الحلقات العلمية مع الاستفادة من التقنية إلا أن هذا يتطلب إلي توعية المجتمع بأهمية العلم الشرعي والمثابرة لتحصيله فمن طلب العلا بدون العنا طلب المحال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كافة الحقوق محفوظة 2012 © site.com مدونة إسم المدونة